أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (200) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) سوؤة البقرة
تتوالى قواعد الإسلام وأركانه في هذا القسم الثالث من سورة البقرة، شديدةَ الإحكام والتراصّ والتكامل، يأخذ بعضها بيد بعض، توطئةً حكيمة للانتشار والفتح، بتوحيد الصف قبلةً وبذلا للمال والنفس، وتزكيتِه عقيدة وبرا وتكافلا، وإعدادِه بحلال المطعم وشاكي السلاح وحمايةِ الحُرَم والأعراض والذمم، والصبرِ على لأواء المحن ومتاعب التكاليف، كما في الحلقات السابقة، وقد أجملتْ أركانَ الإسلام الأربعة إيمانا وصلاة وزكاة وصوما، وبينت قمة سنامه جهادا في سبيل الله تعالى واستشهادا، فلم يبق إلا الركن الخامس وهو فريضة الحج، وقد وردت عقب أحكام الصوم والقتال مباشرة بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} ، مما يؤكد أن الإسلام جسد واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، وإن تراتبت تكاليفه فضلا وأجرا وقربى، وقد ورد في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ) ، ففضل الله تعالى الجهاد بعد الإيمان، وجعل تلوهما الحج المبرور، و عن عمر قال: سمعته ذات يوم يخطب وهو يقول: (إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال بحج أو عمرة فإنها أحد الجهادين) ، وقال ابن مسعود: (إنما هو سرج ورحل، فسرج في سبيل الله، ورحل إلى بيت الله) ، وعن كعب قال: (وفد الله ثلاثة: الحاج والمعتمر والغازي، دعاهم الله فأجابوه، وسألوا الله فأعطاهم) .
وأصل الحج لغةً القصدُ للزيارة، وقيل القصد لزيارة معظَّم، يقال: حج فلان الشيءَ إذا قصده مرة بعد أخرى وأدام الاختلاف إليه، وفي اصطلاح الشرع قصد البيت الحرام في وقت مخصوص هو أشهر الحج لأداء مناسك وأفعال مخصوصة، أركانا وواجبات وسننا، منها الطواف والسعي والوقوف بعرفات بشرائط مفصلة في كتب الفقه، وهو ركن من أركان الإسلام وفرض عين بالكتاب والسنة على كلّ مكلّف مستطيع في العمر مرّة واحدة، قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} آل عمران 97، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ