أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتنَ). اذكروا آلاء الله عز وجل وفضله ونعمه وما تنتظرون من خير في الآخرة جزاء طاعته، اذكروه بالحمد والثناء والشكر والتعظيم له دون غيره، بدل ما كنتم تذكرون وتدعون. ولئن كان ذكره حمدا وشكرا وتعظيما وتمجيدا وتكبيرا، فإنه كذلك دعاء ورغبة فيما عنده ورهبة، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} الأنبياء 90، لذلك بادر الوحي بتلقين كيفية الدعاء اللائق بالمؤمن في ختام مناسكه وفي كل حين، وضرب لذلك مثلين من أدعية القوم، مثلا من طلاب الدنيا وليس لهم نصيب من الآخرة فقال: {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أي ليس له نصيب من خير الآخرة، ومَثَلا ممن فازوا بخيري الدنيا والآخرة فقال: {وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، وفي الصحيحين عن أنس قال: (كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار) ، وفي صحيح مسلم: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَقُولُ اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا تُطِيقُهُ، أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ {آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ) .
وحيث إن الناس في دعائهم فريقان، فريق سأل الدنيا وحدها وفريق سأل خير الدنيا والآخرة، فقد بين الله تعالى أن لكل منهما نصيبا مما عمله وسأله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر فقال: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، وختم بأحكام أيام التشريق الثلاثة، وجعلها أيام ذكر، ورخص للمتعجل في الاكتفاء بيومين فقال: {وََاذْكُرُوا اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} هي أيام التشريق، {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} أي لا إثم ولا حرج على من اكتفى بيومين مقاما بمنى، ولا على من بقي فيها ثلاثة أيام، ثم توج عز وجل أحكام الحج والعمرة في هذه الآيات الكريمة بالحث على التقوى والحض على مداومتها في كل الأحوال فقال: {وَاتَّقُوا اللّهَ} ، وذكَّر بيوم الدين إذ يحشر الناس للحساب فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ، وهو نظير قوله تعالى: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} الكهف 48.
بهذه الآيات المباركة نختم القسم الثالث من سورة البقرة، وقد أُجْمِلَتْ فيها مبادئ الإسلام وأسسه، عقيدة وبرا وأركانا، وقواعد وسناما. لنشرع في القسم الرابع وقد فُصِّل فيه ما أُوجِزَ في سابقه، وخُتِمَ بشهادته عز وجل للأمة الإسلامية بالطاعة والإيمان، وزُوِّدَ بمشكاة آية الكرسي أنوارا للمعرفة والإحسان، فإلى هذا القسم بإذن الله تعالى