ثم خطا بهم الوحي خطوة ترشيدية أخرى محت ما بقي من رواسب المجتمع الجاهلي، وفوارق طبقاته، وكانت قريش تتعالى على سائر العرب، وتقول نحن أبناء الحرم وقُطَّان بيت الله، ويسمون أنفسهم الحُمْس] [1] [أي ذوي الشدة والصلابة في الدين، فلا يخرجون لذلك من الحرم ولا يقفون بعرفة، بل بمزدلفة يدفعون منها، فأنزل الله تعالى قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، وقد روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (الْحُمْسُ هُمْ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس} ) ، وقالت: (كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ يَقُولُونَ لَا نُفِيضُ إِلَّا مِنْ الْحَرَمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ {أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس} رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ) ، أي قفوا مع الناس في عرفة وأفيضوا منه كما يفيض غيركم، واستغفروا الله تعالى، فما أنتم إلا من جملة المسلمين، سواسية كأسنان المشط. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته يأبى هذا التمييز والعنجهية والتعالي لدى قومه فيقف مع عموم الناس بعرفة كما في رواية المستدرك على الصحيحين عن نافع بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال: (كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة ويقولون نحن الحُمْسُ فلا نخرج من الحرم، و قد تركوا الموقف على عرفة، قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم يدفع إذا دفعوا) وفي رواية أحمد: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ حَتَّى يَدْفَعَ مَعَهُمْ مِنْهَا تَوْفِيقًا مِنْ اللَّهِ لَهُ) .
ويواصل القرآن الكريم تعليم شعائر الحج فيأتي على ما ينبغي أن يختم به لتتم النعمة وتؤتي شعائره ثمارها مغفرة وأجرا، وكان العرب في الجاهلية إذا أنهوا حجهم جلسوا حِلَقًا في منى يتفاخرون بآبائهم وأيامهم، وبما فعل بعضهم ببعض، فنهاهم الوحي عن هذه الخصال، وأمرهم بالكف عن ذكر الآباء والأجداد وقد ماتوا على الكفر، بقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} فإذا ذبحتم نَسائككم وفرَغتم من حَجكم، فاذكروا الله تعالى بأشد مما كنتم تذكرون آباءكم، فما ذكر الآباء والأجداد بِمُقَرِّبكم من الله، إن هو إلا لهو ولعب، قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَاد} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} المنافقون 9، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ
(1) - من فعل:"حَمِسَ"القتال أي اشتد، واحتمس القِرنان إذا اقتتلا بضراوة، وتحمس الرجل إذا تعاصى، والحماسة المنع والمحاربة. ورجل أحمس متشدِّد على نفسه في الدين، ورجال حُمْس بنفس المعنى.