ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموا وغصبوا، فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا بالمال والطعام الذي يغنيهم عن سؤال الناس، ويساعدهم على تحقيق التقوى المرجوة، والآية بذلك تسع الزادين المادي لسفر الحج، والمعنوي لسفر الآخرة طاعة لأمر الله واجتنابا لنواهيه وعملا صالحا وطهارة قلوب وأفئدة ونفوس. ثم توَّج عز وجل أوامر التخلية من الموبقات والتحلية والتزكية عبادة وبرا، والتزود للدنيا والآخرة، بالالتفات إلى ذوي العقول السوية الراشدة الواعية مؤكدا أمره لهم بالتقوى، لأن وجوبها عليهم أثبت وإعراضهم عنها أقبح وأشنع فقال: {وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} . مؤكدا أن الزاد المعنوي للآخرة لا يتنافى مع تحصيل الزاد المادي للدنيا متى توفرت التقوى بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} والجناح معناه الإثم، أي لا إثم ولا حرج على الحاج إذا ما طلب في موسم الحج رزقا حلالا عن طريق الكسب، تجارة أو خدمات ومعاملات مشروعة، إذ لا تعارض بين ذلك وبين عبادات الحج وشعائره ومناسكه، قال تعالى أيضا: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} الحج 27/ 28. وقد روى البخاري عن ابن عباس قال: (كَانَتْ عُكَاظُ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم} ) ، وروى أحمد عن أبي أمامة التيمي قال: (قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نُكْرِي فَهَلْ لَنَا مِنْ حَجٍّ؟ قَالَ: أَلَيْسَ تَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَتَأْتُونَ الْمُعَرَّفَ وَتَرْمُونَ الْجِمَارَ وَتَحْلِقُونَ رُءُوسَكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا بَلَى، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ الَّذِي سَأَلْتَنِي فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام بِهَذِهِ الْآيَةِ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَنْتُمْ حُجَّاج) ، فكانت هذه الآية الكريمة فيصلا سَوَّى به الله تعالى في الأجر بين فقراء الحجاج ممن يضطرون للتكسب في الموسم وبين أغنيائهم، ثم خاطبهم جميعا بقوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ} وأصل الإفاضة من فعل"فاض"الماء أو الدمع أو غيرهما، يفيض فيضا إذا كثر حتى سال، والإفاضة دفع الحجاج وزحفهم من عرفات إلى مزدلفة ثم إلى منى، وأَفاضَ الناسُ من عَرَفاتٍ إِلى مِنى أي اندفعوا بكثرة إِليها ملبين، وكان العرب يسمون الخروجَ من عرفة الدفعَ، والخروجَ من مزدلفة الإفاضةَ، فأطلق القرآن الإفاضة على الخروجين، وكانوا يحدثون في دفعهم جلبة وضوضاء تتنافى مع مقاصد الحج وآدابه فنهاهم القرآن عن ذلك وأمر عند الإفاضة وفي المشعر الحرام بالاشتغال بذكر الله وشكره على ما هداهم إليه من تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية، وما أنقذهم منه من ضلال الجاهلية وغيها.