فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 523

أشهر الحج، وهو قول ابن عباس وابن عمر والنخعي والشعبي ومجاهد والحسن، وقال الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة إلى طلوع فجر يوم النحر من أشهر الحج، نَزَّلوا متأولين بعضَ الشهر منزلةَ كلِّه، فكان الشهران وبعض الثالث ثلاثة أشهر لأنها وقت، والعرب تسمي الوقت تاما بقليله وكثيره فتقول: أتاه يوم الخميس وإنما أتاه في ساعة منه، وتقول زاره العامَ، وإنما زاره في بعضه.

ثم بين عز وجل بعض آداب الحج إتيانا وتجنبا، نوايا وأقوالا وأعمالا وقربات، تخلية للنفوس والجوارح مما يسترذل ويستقبح، وتحلية لها بما يزكي ويرفع الدرجات، فنهى أولا عن كل محبطات العمل ومفسدات الحج بقوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أي من ألزم نفسه بأداء فريضة الحج وأهل به، فعليه أن يتجنب ما يتعارض مع آدابه وشعائره ومقاصده ومناسكه {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) .

والرفَثُ لغةً كلامٌ متضمن لما يستقبح ويستفحش، وهو في هذه الآية نهي عن الإفحاش في القول مطلقا. لأنه يتنافى مع حرمة الحج ووقار العبادة، يقال: رَفَثَ الرجل من باب نصَر وفرِح وكرُم، وأرفث، وجُعِل كنايةً عن الجماع ومقدماته في قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} البقرة 187، إباحة للإفضاء إلى الزوجة ودعوتها إليه.

أما الجدال وهو المِرَاء، فمن أصل"جَدَلَ الحبلَ"إذا أحكم فَتْلَه، ويعني مراجعة الكلام بين الناس على سبيل المعاندة والخصومة والمنازعة والمغالبة، كأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه. وهو مما يفسد القلوب ويملأها ضغينة وبغضاء، فلا يؤتي الحج ثماره ألفة ومحبة وتكافلا وتعاونا على البر والتقوى بين المسلمين، ولذلك حرمه الله تعالى، وجعل علاجه الإعراض اللَّيِّنَ المهذبَ بقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الفرقان 63، وقال صلى الله عليه وسلم: (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ) .

وأما الفسوق فهو العصيان والترك لأَمر الله عز وجل والخروج عن طريق الدين، أصله مِنْ فعل"فسق الرُّطَبُ"إذا خرج عن قشره، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقرَّ به ثم أخلَّ بجميع أحكامه أو ببعضه كما ذكر الراغب في مفردات القرآن، والفسق عن الدين يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكنه تعورف فيما كان كثيرا، وقد قابل به القرآن الكريم الإيمان في قوله تعالى {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} السجدة 18.

ثم حث ثانيا على تزكية النفوس بكل أعمال البر والخير، تقربا بها إلى الله وحده، لأنه يعلمها ويشهد عليها ويجازي بها فقال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ} . وأمر ثالثا بالتزود للسفرين، سفر الحج وسفر الآخرة فقال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ، وقد نزلت هذه الآية في أناس من أهل اليمن، كانوا يحجون بغير زاد ويقولون إنا متوكلون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت