هذه بإجمال كيفيات الحج والعمرة كما تشير إليها الآيات الكريمة، وهي كلها مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أمّا من الكتاب فقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} آل عمران 97، وقوله عز وجل: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه} ، وقوله سبحانه: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} . وأمّا السّنّة فمنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (فَمِنَّا مَن أهلَّ بعمرة ومِنَّا مَن أهلَّ بحج ومنَّا مَن أهلَّ بهما) ، ومنها حديث ابن عمر قال: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) وحديث مسلم عن ابن عباس قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحُلَيْفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج) ، ومنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع مرات وحج مرة واحدة، فأخذ الناس منه مباشرة مناسك الحج والعمرة، وقد روى البخاري عن قتادة قال: (سَأَلْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمْ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَرْبَعٌ، عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الْجِعِرَّانَةِ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَة أُرَاهُ حُنَيْنٍ، قُلْتُ: كَمْ حَجَّ؟ قَالَ: وَاحِدَة ً) . وأمّا الإجماع فقد تواتر عمل الصّحابة ومن بعدهم على التّخيير بين هذه الأوجه كلها. قال ابن عبد البر:"الحج والعمرة نسكان لا يختلف العلماء في ذلك أن المستطيع السبيل إليهما يبدأ بأيهما شاء، وقد جاء ذلك عن جماعة من السلف"، وكان سفيان بن عيينة يقول:"معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) لم يرد به فسخ الحج، وإنما أراد جواز عمل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة مفردة، ويستمتع بها إلى الحج، وأن يقرن مع الحج، كل ذلك جائز إلى يوم القيامة". كما حث الرسول صلى الله عليه وسلم على المتابعة بين الحج والعمرة بما رواه الترمذي والنسائي صحيحا عن ابن مسعود قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) .
وبعد أن بين الوحي أحكام الحج والعمرة وإشكالية الإحصار والمرض والهدي والفدية انتقل إلى بيان وقت الحج، وكان العرب في الجاهلية يتلاعبون به تقديما وتأخيرا حسب الأهواء والمصالح، يقدمونه سنة ويؤخرونه سنة، وهو النسيء، فرده إلى وقت واحد معلوم وقال عز وجل: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} ، أي وقت الحج أشهر معلومة محددة ثابتة لا تتغير، وهي عند مالك شوال وذو القعدة وذو الحجة كله، لأن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة، ولأن أيام النحر يفعل فيها بعض أعمال الحج من طواف الزيارة والحلق ورمي الجمار، والمرأة إذا حاضت تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيامه بعد العشرة، ولِمَا أخرجه الطبراني والخطيب بطرق مختلفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّ الثلاثةَ أشهر الحجَّ. وقال أبو حنيفة: هي شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة من