فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 523

وبعد أن ذكر الوحي أحكام ما يمنع الحاج والمعتمر من الوصول إلى الحرم، وكيفية التحلل عند الإِحصار، وأحكام التحلل الجزئي عندما يتعارض المرض مع بعض هيئات الإحرام، عقب بذكر حال من وصل إلى بيت الله تعالى آمنا من الإحصار، متمتعا بالعمرة إلى الحج وكيفية تحلله عند إتمام مناسكهما، فقال: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، وهذا يقود إلى ذكر كيفيات ما يهل به الحاج عند إحرامه مما يعقد عليه نيته ويلبي به، إفرادا أو قرانا أو تمتعا. والإفراد هو أن يهلّ الحاجّ فينوي الحجّ فقط عند إحرامه، ويأتي بأعمال الحجّ وحده. وهو عند المالكية والشافعية أفضل من القران والتمتع، لأنه لا يجب معه هدي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفردا كما في الموطأ والبخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَّلَ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يُحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ)

أما القِران فهو أن يُهِلَّ بالعمرة والحجّ جميعا، ويجمع بينهما في إحرام واحد ونسك واحد، ومعنى القران الجمع بين إحرامي العمرة والحج، وهو عند الحنفية أفضل من التمتع والإفراد، لما روي عن أنس قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجة) . وما روى البخاري: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ أَحَدٍ) .

وأما التّمتّع فهو أن يهلّ بالعمرة في أشهر الحجّ، ويأتي مكّة فيؤدّي مناسك العمرة ويتحلّل. ويمكث بها حلالا، ثمّ يحرم بالحجّ ويأتي بأعماله. وهو عند الحنابلة أفضل، لحديث ابن عمر قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق الهدي معه من ذي الحُلَيْفَة). وفيه على المتمتع الهدي، كما في قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، أو بعد مغادرته الحرم في طريق عودته إلى أهله، وهو قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ، واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على أن المتمتع إذا لم يجد هديا صام ثلاثة أيام إذا أحرم بالحج إلى آخر يوم عرفة.

إلا أن التمتع خاص بغير سكان مكة المكرمة، وهو معنى قوله تعالى عقب ذلك: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، أي ذلك التمتع حكمه خاص بغير أهل الحرم، وهم عند المالكية أهل مكة، وعند الشافعية من كان بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وزاد الحنفية عليهم من تكون منازلهم داخل الميقات، لا يتمتعون بالعمرة إلى الحج بل يفردون، وبإمكانهم تأدية العمرة طوال السنة. ثم ختم سبحانه الآية بقوله ترغيبا وتحذيرا فقال: {وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت