قَصّر شعره ولم يحلقه، فقال صلى الله عليه وسلم: (رَحِم الله المُحَلِّقين) ، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: (والمقصرين) ، أما النساء فيكفيهن التقصير لما روي صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ) . قال الإمام مالك:"بلغني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حَلَّ وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحَلّوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يَصِل إليه الهدي. ثم لم نَعْلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَ أحدًا من أصحابه، ولا ممن كان معه، أن يقضوا شيئًا ولا أن يعودوا لشيء".
أما قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} فهو بيان لملازمة الإحرام حتى إتمام شعائر الحج، وتمامها يوم النحر، فلا يجوز حلق ولا غيره من منافيات الإحرام كقص الأظافر والطيب وغيره، إلا بعد أن يبلغ الهدي محله، والمحل بفتح الميم وكسر الحاء مكان الحلول وزمانه، أي وقت ذبحه للفقراء في منى يوم النحر، إلا أن يحصر الحاج فيذبح في مكان الإحصار إن لم يستطع بعثه إلى الحرم.
أما المريض الذي تؤذيه بعض هيئات الإحرام في رأسه أو سائر جسده، أو تزيد من علته كداء"القرع"في الرأس أو تكاثر القمل في الشعر لشدة الوسخ، أو بعض الأمراض التي تمنع من التجرد عن المخيط، فيجوز له حلق رأسه أو لبس ما يحفظ صحته، ويواصل القيام بشعائر العمرة والحج، وعليه الفدية لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ، والفدية لغة أن يجعل شيء مكان شيء حماية له، من قولك: فديتُه أَفدِيه، كأنَّك تحميه بنفسك أو بشيء يعوِّض عنه، والفِدْية والفَدَى والفِداءُ بمعنى واحد هو حماية الشيء الجليل النفيس بعوض، ولما كان الاضطرار إلى مخالفة بعض أحكام الإحرام فقد جعل الشرع بهذه الآية الكريمة لذلك عوضا شرحته السنة النبوية بوجوب إحدى ثلاث: ذبح شاة، وهو النسك في التعبير القرآني، جمع نسيكة أي الذبيحة ينوى بها التعبد لله وحده، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، كما في رواية البخاري عن عبد الله بن معقل قال: (قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ، فَقَالَ: حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا أَمَا تَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَاحْلِقْ رَأْسَكَ، فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً) ،
ولئن أجمع الفقهاء على وجوب فدية إماطة الأذى عن الجسم لورود الأمر بها كتابا وسنة، فإنهم اختلفوا فيمن أماطه لغير ضرورة، نسيانا أو عمدا، فقال الشافعي وأبو حنيفة: إن حلق دون ضرورة فإنما عليه دم فقط، وقال مالك: العامد في ذلك والناسي واحد، أي عليه فدية الأذى المذكورة في الكتاب والسنة، كما اختلفوا حول مكانها في الحرم أو في غيره، وخصالها فضلا وأفضلية، في تفاصيل أكثر يرجع إليها في كتب الفقه.