فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 523

هذه التفرقة بين الحصر والإحصار خلاف حول طريقة تحلُّل المُحْصَرِ من الإحرام، فبعض العلماء كالمالكية والشافعية يرون أن المراد بالإِحصار في الآية ما كان بسبب عدو، كما حدث للمسلمين في صلح الحديبية، والتحلل فيه يكون بالذبح، قال مالك:"من حُبس بعدو فحال بينه وبين البيت فإنه يحل من كل شيء وينحر هديه ويحلق رأسه حيث حبس وليس عليه قضاء"، أما إذا كان الحصر بسبب من ذات الشخص كالمرض مثلا، فإن الحاج أو المعتمر لا يتحلل بالذبح ويبقى على إحرامه حتى يبرأ من مرضه، ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعًا ويسعى بين الصفا والمروة، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه. قال مالك"فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت"، وقال:"من فاته الحج تحلل بعمل عمرة، وعليه الحج من قابل والهدي"، أما الأحناف فيرون أن الآية تعم كل منع، وأن التحلل من الإحرام في كل الحالات بالذبح، فإن اشترط عند إحرامه التحلل بالمرض إن أصابه في الطريق تحلل به ولا شيء عليه من هدي أو قضاء أو غيره عند الحنابلة، عملا بما ثبت في رواية مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) ، ولا يسقط عنه الدم عند الشافعي وأبي حنيفة. وأما من وقف بعرفة فليس بِمُحْصَر عند مالك ويقيم على إحرامه حتى يطوف بالبيت ويهدي، وهو أحد قولي الشافعي وقول أبي حنيفة.

أما قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي ما تيسر ولم يستصعب من الهدي، والهدي لغة من الهدية، يهدى إلى البيت الحرام من الإبل أو البقر أو الضأن، يتقرب به إلى الله تعالى، من غير سبب موجب، قدره الإمام مالك بشاة في رواية له عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} شاة. وقال ابن عباس: الهَدْي من الأزواج الثمانية: من الإبل والبقر والمعز والضأن.

كما يطلق الهدي أيضا على ما يجب على المحرم بسبب موجب كالتمتع أو ترك واجب أو فعل محظور، وهو في هذه الآية ما يذبحه المحرم إذا منع من الوصول إلى البيت الحرام، وهدي الإحصار سواء كان المحصر قد ساقه معه أو لم يسقه يذبح في مكان الحصر على قول الجمهور، مالك والشافعي وأحمد، وقال ابن عباس:"إذا كان يستطيع البعث به إلى الحرم وجب عليه، وإلا ينحره في محل إحصاره"، فإن فات مساكين مكة لم يفت مساكين المسلمين في غيرها.

وسواء كان الإحرام بالحج أو العمرة أو بهما معا، ولو لم يفعل الحاج من الشعائر إلا الإحرام عند الميقات، فإن الآية توجب الإتمام، ما لم يحصر المرء فيجوز له التحلل بذبح الهدي وحلق الشعر، كما هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أحصر بالحديبية فنحر فيها، لاسيما وقد نزلت هذه الآية عام الحديبية، سنة ست للهجرة، حين حال المشركون بين رسُول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت، ورخص للمسلمين أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وأن يَتَحَللوا من إحرامهم بحلق رؤوسهم فلم يفعلوا حتى خرج فحلق رأسه، ففعل الناس، وكان منهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت