إن نقطة الانطلاق في أي عمل هي النية والقصد، من ثَمَّ يختار المرء بين أحد اتجاهين لا يلتقيان أبدا، وكأنما اختار نقطة النهاية إذ اختار نقطة البداية، لأن الرضا بالشيء رضا بنتيجته، لذلك قال خالق النفس علام خفاياها عز وجل: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَة} آل عمران 152.
ولئن عودنا الوحي أن يقدم بعض الأحكام والعظات مجملة كما في قوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} البقرة 200/ 201, ويأتي بها بعد ذلك مفصلة قابلة للتنزيل على واقع الحياة ومعاملات الناس، فإنه في هذه الآيات الكريمة قد سار على نفس النهج، إذ أوجز معنى الفساد في إيثار الدنيا ومعنى الصلاح في إيثار الآخرة، ثم بين ذلك بتفصيل أكثر فذكر نموذجين لهما لا يخفى أمرهما على بصير، أحدهما باع نفسه للدنيا فكان بذرة للفساد والإفساد، وآخر باعها لربه من أجل الآخرة فصلحت به الدنيا، وسلمت له الآخرة.
أما النموذج الأول فقال عنه عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} ، إنه صنف متصنع ذَرِب اللسان، مزخرف العبارة منمق اللفظ، متشيطن القول والعمل، يثير الإِعجاب بحسن بيانه، ويضلل بحلاوة لسانه، ليس له من هم إلا أن يظهر للناس بأحسن مظهر، وأن يقول لهم أحسن ما يودون سماعه، إن خاطب تقيًّا بَهَرَه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والدعوات الزكية، وإن خاطب فاجرا ألان له القولَ وتودد له وتحبب إليه، وغض الطرف عن انحرافه وجعل همه نيل خدماته، فقوله يعجب الجميع، أما قصده ومكنون سره فليس إلا ما يختاره ويؤثره ويعمل له من بهرج الحياة ونعيمها، إن تحدث عن التقوى فهو أفصح من تكلم، وإن ألقى خطبة عن البر فهو أبر من خطب، أو عن الخير فهو أقدر من يوفره، أو عن الصدق فهو أجدر من يمثله، وإن أحس ترددا في قبول خطابه لم يتورع عن أن يقسمَ بالله على سلامة طويته، ويشهدَه على حسن نيته وسلامة مقصده {وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} ، والله تعالى يعلم فساد ضميره، ورداءة أهدافه، وخلو قلبه من كل محبة للناس، أو حرص على بذل الخير لهم، لأنهم في نظره خصوم ينازعونه منافع الدنيا، ويحولون بينه وبين الاستئثار بها، كل منفعة لديهم هو أولى بها وكل خير بأيديهم هو أجدر به، فهو لذلك ألد خصومهم، {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} ، والأَلَدُّ في اللغة: الشديدُ الخصومة، الجَدِل الذي لا يميل إلى الحق أبدا، ويحرص على الغلبة في أي وجه من وجوه الخصومة، تقول: لَدَدْتُ فُلانًا أَلُدُّه إِذا جادَلْتَه فغَلَبْتَه، ولَدَّه عن الأَمْرِ لَدَّا: حَبَسَه، ورجل أَلَدُّ بَيِّنُ اللَّدَد شديد الخصومة، وامرأَة لَدَّاء وقوم لُدّ، ومنه قول عمر رضي الله عنه لأُم سلمة:"فأَنا منهم بين أَلْسِنَةٍ لِدادٍ وقلوب شِداد وسُيوف حِداد".
هذا النموذج من الناس تلقاه في جميع مجالات الحياة، تلقاه بين التجار إن تاجرتهم، وبين العلماء إن خالطتهم، وبين الصناع إن عاملتهم، كما تلقاه في عالم السياسة تنافسا في الانتخابات، وترشحا لأعلى الوظائف والوزارت، وفي