فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 523

جميع المؤسسات التدبيرية تمظهرا بالصلاح وتباهيا بوهم الكفاية والفلاح، فإن رأى أحدا ينافسه على جيف المكاسب وخبيث المآرب فجر في الخصومة، واشتد في المعاداة، وأقذع في القذف، وتخلى عن العرض وكريم الشيم، وتنكر لروابط العقيدة والرحم، ورمى غيره بأسوأ ما يعرفه من نفسه، وحدث ولا حرج إن كان الغرض عضوية في برلمان أو تقربا من رئيس أو سلطان.

هذا الصنف من المتكالبين على الدنيا، المرائين بزيف الفضائل، هم منبت الفساد في الأرض، وسدنة زرعه، وولاة أمره، بهم تنخر حصون الأمة من داخلها، وعلى يدهم تذهب ريحها ويندثر بنيانها، تمحق بركة حرثها جهدا وإنتاجا، ويفسد نسلها وذريتها أجسادا وعقولا وأخلاقا، قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} ، وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين، بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات، بئس العبد عبد يصده الرعب عن الحق، بئس العبد عبدُ طمعٍ يقوده، بئس العبد عبدُ هوى يضله) .

وقد اختلف الرواة فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، كان لين الكلام، كافر القلب يظهر للنبي الحسن، ويحلف له أنه يحبه، ويتبعه على دينه، وهو يضمر غير ذلك، والثاني: أنها نزلت فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه. والثالث: أنها نزلت في سرية الرجيع، وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بالمدينة:"إنا قد أسلمنا فابعث لنا نفرا من أصحابك يعلمونا ديننا"، فبعث صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدي ومَرْثَدا الغَنَوي، وخالد بن بكير، وعبد الله بن طارق، وزيد بن الدَّثِنَّة، فلما كانوا بين مكة والمدينة أحاط بهم المشركون فحاربوهم، فقتلوا مرثدا، وخالدا، وابن طارق، ونثر عاصم كنانته وفيها سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلا من عظمائهم، ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار، فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاطوا به فقتلوه، وأرادوا حز رأسه، فأرسل الله تعالى رِجْلا] [1] [من الزنابير فحمته فلم يقدروا عليه فقالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه الزنابير، فنأخذه، فجاءت سحابة فأمطرت، فبعث الله الوادي فاحتمله فذهب به، وأسروا خبيبا وزيدا، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبا ليقتلوه، لأنه قتل آباءهم، فلما خرجوا به ليقتلوه قال: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه يصلى ركعتين، ثم صلبوه حيا، فقال: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك عني السلام، فبلغ رسولك مني السلام، وروى البيهقي في دلائل النبوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حينئذ: وعليه السلام، فقال أصحابه: يا نبي الله من؟ قال: أخوكم خبيب بن عدي يقتل، وأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فجاءه سفيان بن

(1) - الرِّجْل جمع أرجال: الطائفة العظيمة من الجراد ونحوه، منه حديث ابن عباس أَنه دَخَل مكَّة رِجْلٌ من جَراد فَجَعل غِلْمانُ مكة يأْخذون منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت