فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 523

حرب حين قدم ليقتله، فقال: يا زيد أنشدك الله، أتحب أن محمدا مكانك، وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي؟ ثم قتل، فقال بعض المنافقين في أصحاب خبيب ويح هؤلاء المقتولين، لا في بيوتهم قعدوا، ولا رسالةَ صاحبهم أدَّوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثلاث آيات بعدها.

وأيا ما كانت أسباب النزول، فإن معنى الآية مرتبط أيضا بمعاني ألفاظها، وهي تشير إلى أن المنافق المتزين للناس إذا ما تولى سعى بالفساد في الأرض، والتولي لغة من فعل"ولي"، والواو واللام والياء: أصلٌ صحيح يدلُّ على قرب، من ذلك الوَلْيُ وهو القرْب. يقال: تَباعَدَ بعد وَلْيٍ، وتوَلَّى الشيءَ لزِمَه، وتَوَلَّى العَمَل: تَقَلَّده، ووَلاَّه الأَميرُ عَملَ كذا ووَلاَّه بيعَ الشيءِ: كلفه به، قال الحسن بن علي رضي الله عنهما، لأبيه لما أَمره بجلد الوليد بن عقبة: وَلِّ حارَّها من تَوَلَّى قَارَّها، أَي وَلِّ شرَّها من تَولَّى خَيْرَها, ومنه الوِلاية والوَلايةِ والوَلْية والتَّوَلِّي، وإذا عُدِّيَ فِعْل"تولىّ"بحرف"عن"لفظا أو تقديرا أفاد معنى الإعراض والإدبار والانصراف، ومنه قوله تعالى {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} أي أعرضوا عنه، وكما يكون الإعراض عن الشيء معنويا يكون جسديا ويكون بترك الإصغاء والطاعة كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} الأنفال 20، قال الفراء في قوله تعالى: {فهل عَسيتم إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدوا في الأَرض} أَي توليتم أُمور الناس، وقال الشوكاني: إذا كان واليًا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض. وقال ابن الجوزي في زاد المسير:"فيه أربعة أقوال، أحدها أنه بمعنى غضب، روي عن ابن عباس، وابن جريج. والثاني أنه الانصراف عن القول الذي قاله، قاله الحسن. والثالث: أنه من الولاية فتقديره إذا صار واليا، قاله مجاهد، والضحاك. والرابع: أنه الانصراف بالبدن، قاله مقاتل، وابن قتيبة"، وعلى هذا فقوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى} تفيد معنيين أولهما: أنه إذا قال ما يعجب الناس ثم انصرف عنهم وتوارى عن أنظارهم عمل ما يفسد مجتمعهم ويخرب صفهم ويهلك حرثهم ونسلهم. والمعنى الثاني وهو الأرجح من سياق الآية الكريمة أنه إذا نال بنفاقه ثقة الناس فولَّوْه منصبا أو ولاية استغل نفوذه وسلطته فأفسد وأشاع الفساد، سرقة ونهبا ونصبا ورشى ومتاجرة في البلاد والعباد. وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقوله تعالى: {سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} . والسعي معناه العمل الدؤوب المتواصل، من سعى يسعى سعيا أسرع السير وعدا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاةَ فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) ، والمنافق المرائي لشطارته في اهتبال الفرص واحتلاب المناصب يسرع السعي لتحقيق أهدافه بأشد الوسائل قبحا وخبثا وبغيا وفسادا، فتكون بذلك ولايته محضنا للفساد في الأمة، وآلة لتفريخ مهلكات الحرث والنسل. ولئن استغفل الناسَ فأعجبهم كلامه فولوه أمرهم، فإن الله تعالى لا تخدعه المظاهر عما تُكِنُّه السرائر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت