ولا تخفى عنه حقيقة أعمال المصلحين والمفسدين ونواياهم، وهو عز وجل لا يحب الفساد وأهله {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} ، وليس من مصير لمن يبغضه الله تعالى إلا الجحيم.
إن إفساد هذا الصنف من الفجار في الأرض بمنطوق الآية الكريمة عام شامل مطلق، كما يكون فرديا في النوايا وما تنعقد عليه القلوب يكون في أعمال الجوارح وأعضاء الجسد، وكما يكون في القادة يكون في العامة، وكما يكون في البيئة الطبيعية هواء وتربة وماء واستزراعا يكون في البيئة الإنسانية علاقات وعواطف ومعاملات ومروءات وهمما، وكما يكون في السياسة انتهازية ونصبا يكون في الاجتماع غشا وخيانة، وفي الاقتصاد غلولا وسرقة وسفها، وفي العدالة ظلما في القوانين وفصل القضاء، وفي الثقافة انحراف أدب وفكر وبحث علمي، وفي التربية والتعليم فساد تنشئة وتأهيل وترشيد وإعداد وتوجيه. وإنما يتولى كبر ذلك من أنشأه وبثه وسنه وزرع بذرته، وهوالمنافق المتمظهر بالخير والصلاح، إذا تولى مرفقا عاما أفسده وجعله قناة لتسريب الفساد إلى غيره. والفساد إن تسرب إلى أي عضو من جسد الأمة ولم يستأصل أو يحاصر تسلل إلى جميع الأعضاء، وإذا استوطن قطاعا في المجتمع ولم يكافح تسلل إلى جميع القطاعات العامة والخاصة فأهلكها وقوض بنيانها، الفساد يشوه عمليةَ الشورى في نظام الحكم إن اعْتُمِدَتْ، والتمثيلَ النيابيَّ إن عُمِلَ به، يزيف القرار التدبيري ويجيره لصالح النخبة الحاكمة وحوارييها، يحتكر الخدمات العامة في فئات أصحاب النفوذ وأهل الرُّشَى أخذا وعطاء، يطيح بحيادية القوانين والتشريعات ومساواة المواطنين أمامها، وبأركان النظم الإدارية في الدولة. هذا واقع حال الأمة وما شاع ذكره عنها، مما نشرته وسائل الإعلام مكتوبة ومسموعة ومرئية، عن ولاة نهبوا ولاياتِهِم، وأمناء نصبوا وكذبوا على أمتهم، ووزراء سرقوا المال العام وخانوا أماناتهم، وبرلمانيين تحولوا سماسرة وغَشَشَةً وراشين ومرتشين، ورؤساء دول تجاوزوا عتاة العصابات العالمية بغيا ونصبا واحتيالا، كلهم تزينوا للجماهير المغفلة، وأشهدوا الله على ما في قلوبهم بأغلظ الأيمان.
إن أعمال الناس لا تخلو أن تكون إحدى أربع حالات، حالة صلاح بَيِّنٍ وحالة فساد بَيِّنٍ، وحالة تغلب عليها قرائن الصلاح وحالة تغلب عليها قرائن الفساد، والمؤمن في مواجهة هذه الحالات عليه ألا ينخدع بمعسول القول وطلاوة الخطاب، لأنه مكلف بالتبين والتثبت والبحث عن الحقيقة وراء الكلام المنمق والرياء المنافق المتودد، ومسؤول عن تفحص النوايا والأقوال والأعمال والأحوال ومقارنتها ومحاكمتها إلى الكتاب والسنة، لذلك كان العلم الشرعي أقربَ طرق الرشد لا يُسْتغفَل صاحبه، وأقومَ أساليب التنشئة على الصلاح لا ينحرف من وعاه، وكان الجهل أخطر سبل الفساد لا يهتدي من ركن إليه، والمرائي والمنافق والوصولي والانتهازي إذا عرض حاله على العلم كتابا وسنة انكشف أمره، واستبانت مراميه، إذ جميع صفاته جردتها النصوص، وكل تمظهراته كشفتها الآيات، وقد حذر عز وجل من الركون إليه وبين نتيجة سعيه إن تولى أمر الأمة فقال: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} ، والحرث كناية عن جميع عمل المرء وسعيه، عملِه لاستصلاح الدنيا بتعميرها والإنتاج فيها، وسعيِه للآخرة بالتزود لها