فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 523

سلامة عقيدة وحسن عبادة وفعل خيرات، فإذا استوطن الفساد جسد الأمة خربت ذمم أهلها ومروءاتهم، واختل اقتصادهم وانهارت مجتمعاتهم، وعمهم الفقر بذله وهوانه ومسكنته فضاعت منهم الدنيا، وعمتهم الفتن وضلوا عن دينهم، وعموا عن الصراط المستقيم فضاعت منهم الآخرة، أما النسل فكناية عن جميع ما يحفظ البقاء الحيوي في الأرض، وهو الذرية، ويكفي دليلا على هلاك النسل بالفساد أن أبناء المسلمين في هذا العصر فئات، فئة تفر من الفقر في قوارب الموت فيغرق في البحر منها من يغرق، ويفقد من نجا منها إلى الشاطئ الأروبي كرامته وعرضه ودينه وأهله ووطنه وأصوله وفروعه، وفئة ارتدت عن دينها من أجل فتات خبز يتصدق به المنصرون عليها في وطنها الذي استأثر بخيراته المفسدون، وفئة تبيع أجسادها للسواح من كل جنس، فتملأ بطونَها طعاما وأجسادها أمراضا، ونفوسَها حقارة وصغارا، وفئة احتكرت السلطة والثروة فاغتربت عن مجتمعها وعادت أمتها، واحتمت بالأجنبي فأذلها وأفقدها فحولة الرجال ومروءة النساء، وفئة غارت لأمتها فقامت تَنْصُرُ الحق وتأمرُ بالمعروف فكان مصيرها إعداما بغطاء قضاء فاسد، أو اغتيالا بجهاز قمع شرس، أو غياهبَ سجون ومنافي، فهل بعد هلاك النسل هذا من هلاك؟

هؤلاء المراؤون المتزينون للناس يستغفلونهم، لا يقتصر شرهم على الإفساد والفساد فقط، ولكنهم أيضا عصاة عن الانصلاح أباة للنصح والرشد، عتاة على من يأمرهم بمعروف أو ينهاهم عن منكر، كل منهم في منصبه طاغية، وكل منهم يَعُدُّ إثمَ فسادِه صلاحا يَعْتزُّ به، وصوابا لا يعرفه غيرُه {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} أي إذا قُدِّمَتْ لهذا الفاجر نصيحة أو موعظة، أو قيل له اتق الله وتب إليه، أخذته حمية الجاهلية، وزادته السلطة طغيانا، والجاه عتوا على الناس واستعلاء، والولاية نفورا واستكبارا، أما عاقبة أمره فقوله تعالى: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} . وقد صيغت هذه الآية الكريمة بأسلوب التهكم والسخرية بهذا الصنف الفاسد المغرور، لأن المهاد جمع مهد وهو الفراش الوثير المعد للنوم والراحة، أي تكفيه جهنم هي فراشه الذي يستريح فيه ومهده اللين الذي ينام عليه، سنة الفساد في كل عصر، وعقلية المفسدين في كل زمان، ومصير الفراعنة والمتفرعنين من كل أمة, قال تعالى:

- {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} غافر 29.

- {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ} الأعراف 127.

- {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} غافر 26.

- {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر 46.

أما النموذج الثاني الذي يقدمه لنا الوحي الكريم، فمناقض للنموذج الأول، إنه يؤثر الآخرة ويبيع نفسه لربه، طلبا لمرضاته ورغبة في رضاه، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} أي من الناس من يبيع نفسه لربه مجاهدا في سبيله، وليس له من غاية إلا مرضاته والتقرب إليه، لأن فعل"شَرى يَشْري"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت