شِرىً وشِراءً"، من الأضداد، تفيد البيع كما في قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} يوسف 20، أي باعوه، وقوله: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون} البقرة 102، أي باعوها، ويفيد أيضا معنى الشراء كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} التوبة 111. وقد نزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ... } كما قال ابن عباس في صهيب الرومي لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه المشركون أن يهاجر بماله، فإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فأعطاهم ماله وتخلص منهم، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبره عمر أن الله أنزل فيه هذه الآية، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال له: (ربح البيع صهيب) ."
وسواء نزلت الآية في صهيب كما ذكر ابن عباس أو في غيره كما ذكر آخرون، فإنها عامة في كل من باع نفسه لله تعالى نصرة للدين أو ذَبًّا عن الشرع أو دفاعا عن أمة الإسلام وأرضه، أو صدعا بكلمة حق عند سلطان جائر أو غير ذلك من أوجه الجهاد وصوره. وقد روي أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث جيشًا فحاصروا حصنا فتقدم منهم واحد، فقاتل حتى قتل، فقال بعض القوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبتم، رحم الله أبا فلان، وقرأ {وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مَرْضَاتِ الله} .
لقد باع المجاهدون أنفسهم لله عز وجل طلبا لمرضاته، والمرضاة مصدر مبني على التاء من فعل"رضي عن الشيء وعليه"إذا أحبه واختاره وأقبل عليه، وفي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) ، لقد باعوا أنفسهم لربهم فاشتراها منهم وأغلى ثمنها وقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} التوبة 111. وسمى ذلك تجارة في آية أخرى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الصف 10/ 11. وختم سبحانه الحديث عن الصنف المؤمن الصادق بقوله: {والله رَؤُوفٌ بالعباد} في مقابل ما ختم به الحديث عن الصنف الأول المنافق بقوله {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} ، أي أنه عز وجل رفيق رحيم بعباده الذين يبيعونه أنفسهم، يحسن ثوابهم ويضاعف أجرهم ويغلي ثمنهم ويجعل عاقبة أمرهم نعيما مقيما وعزا أثيرا وحياة لا موت فيها {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه} آل عمران 169/ 170.