فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 523

ثم بعد أن بين رب العزة أن الناس صنفان، صنف زينوا ظاهرهم وخربوا باطنهم وشنوا حربا على خلق الله ينصبون عليهم ويبتزونهم ويستغلون ثقتهم، وصنف زينوا باطنهم وأخلصوا نيتهم وباعوا أنفسهم لله وآثروا مرضاته، خاطب الصنفين معا ووصفهما بالإيمان على طريق التغليب، استدراجا للصنف الأول إلى الخير، وتثبيتا للصنف الثاني على ما هو عليه من يقين وإحسان فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} والسلم في معانيه الحقيقية والمجازية يفيد معنى الإسلام والإيمان والسلام والصلح والطاعة والاستسلام، أي أنه تعالى أمر الطرفين بالدخول في حصن الإيمان والإسلام والثبات عليه، ولزوم حسن التعايش والمسالمة، وإقامة مجتمع إسلامي آمن، يتوب فيه الصنف الأول ويكف عن نفاقه وعدوانيته ومكره بالناس، ويبذل فيه الصنف الثاني النصيحة للعصاة بالحسنى رجاء إصلاحهم، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم و أنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجرالخطايا والذنوب) ، وفي حجة الوداع يوم النحر قال صلى الله عليه وسلم من خطبة له: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟، قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ، فرب مُبَلَّغٍ أوْعَى من سامع) .

إن السياق الذي ورد فيه أمر الكافة بالدخول في السلم يشير إلى ما اصْطُلِحَ عليه حديثا بأمن المجتمع، ويشمل أمن الأمة في سيادتها وكافة مقوماتها، وأمن المواطنين بكافة أعراقهم وألوانهم ومشاربهم، ولا يتحقق ذلك إلا بالمساواةِ في الحقوق والواجبات والاحترام المتبادل بين الناس، والاعترافِ للجميع بحق الوجود والعيش الكريم، وضمانِ حرمة النفس والعرض والممتلكات، وحريةِ الرأي والتصرف بدون ضرر أو مضارة، ضمن نظام سياسي شوروي يعترف لجميع أفراد المجتمع بحق المشاركة في إنشاء قرارات التدبير العام وتنفيذها ومراقبتها والمحاسبة عليها، تحت مظلة كلمة سواء، ألا يعبد الناس إلا الله وحده ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا، وهذا يقتضي التحررَ من هيمنة الشيطان وأوليائه، والإعراضَ عن توجيهاته واتباعِ خطواته، لأنه عدو بَيِّنُ العداوة للمؤمنين، ليس له من هم إلا إغواؤهم وفتنتهم {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} . فإن غلبكم الشيطان على أمركم، وزلت بكم الأقدام وانحرفت بكم الطريق، من بعد ما بُلِّغْتم الرسالةَ وعرفتم حقائقَ الشرع، فلا تنسوا أن الله تعالى عزيز قوي غالب قاهر، لا يمنعه مانع عنكم ولا يعجزه ما يريده منكم، حكيم عالم بمواطن الثواب والعقاب، والأعمال والنتائج والأسباب {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

أما قوله تعالى عقب ذلك: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} فهو استفهامٌ إنكاري في معنى النفي، لتهديد الكفار والمنافقين والمصرين على المعصية والعناد بما ينتظرهم، أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون بعد ما جاءتهم البينات إلا أن يحكم الله تعالى في أمرهم بما يستحقونه، فيعجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت