لهم نصيبا من العذاب في الدنيا كما عجله لمن سبقهم من قوم نوح وعاد وثمود ولوط وغيرهم، قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} الشعراء 189، وقال: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} الأحقاف 24/ 25، أو يؤخرهم إلى يوم يعرضون عليه لفصل القضاء، يوم يغشاهم لهول الموقف ما تتشقق السماء به وتنفطر عنه من الغمام {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} الفرقان 25/ 27، {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} طه 108/ 109، ويأتي الملائكة ينفذون ما يقضي به الله تعالى في عباده {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا} النبأ 38/ 39، فيجزي عز وجل كُلّ عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} الزمر 73، {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} الزمر 71، وفي التعقيب على الآية بقوله تعالى: {وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} تأكيد لنفس التهديد، وتذكير بأنه تعالى محيط بكل شيء وأن مرجع الأمور كلها إليه، شرعيةً كانت أو كونيةً، يعلم مبدأها ومآلها ويحكم فيها {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} الأنعام 57.
أما ما ورد في هذه الآية الكريمة من معاني إتيانه عز وجل، فلا نقول فيه إلا ما قاله السلف الصالح من أنه إتيان كما يشاء سبحانه، بغير تشبيه أو تجسيم أو تمثيل أو تعطيل أو تأويل، إتيان يليق بجلاله لا تُعلَم كيفيته، ولا يسأل عنها؛ قال الإمام مالك رحمه الله لمن سأله عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه 5:"الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقول، والإِيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعة، وما أراكَ إِلا ضالا"، وأَمر بمن سأله أن يُخرج من المجلس. وقال ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك بن أنس وقد سئل عن نفس الآية:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن اللّه تعالى الرسالة، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا التصديق".
أما أقوال أهل التأويل يصرفون الكلام عن ظاهره بلا دليل من كتاب أو سنة فمجرد وهم وتخرص لا يليقان بمؤمن يعرف حده ويقف عنده، وقد قال تعالى بغاية الوضوح والبلاغة والبيان إنه يأتي، ولو أراد غير ذلك لبينه، وليس لنا إلا أن نتوقف فيما ذكر على ما ذكر، وهذا لا يتعارض مع إضافة الإتيان في آيات أخرى إلى أمره تعالى أو آياته كما في قوله عز وجل {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} النحل 1، وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} الأنعام 158.