فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 523

ثم بأسلوب الالتفات إلى تجربة بني إسرائيل مع الوحي والأنبياء والرسل، تذكيرا وتحذيرا، أمر عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل معاصريه من اليهود تبكيتا لهم وتوبيخا، عما آتاهم ربهم تعالى من البينات، مما ورد وحيا في القرآن الكريم، وبقي مرجعا للمؤمنين يتعظون به على مر الحقب والعصور، فقال: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ} ، وأول آيات نعم الله عليهم اختيارهم لرسالة الإسلام قبل أمة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام وتفضيلهم بها على العالمين في عصرهم، وما تلا ذلك من نعم إنقاذهم من فرعون وعمله، بإقطاعهم البحر وإغراق عدوهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، ونصرهم على الجبارين من قوم جالوت في فلسطين، إلى نعم أخرى كثيرة غيرها لا تحصى، فلم يستدرجوا إلى الخير بالنعم، ولم يزدهم الإحسان إلا كفرا وجحودا وغرورا {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، أما آيات النقم فمنها رفع الطور على رؤوسهم {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} البقرة 93، ومنها مسخ طائفة منهم قردة وخنازير {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} المائدة 60، فلم يرتدعوا عن الشر بالنقم، وما زادتهم النقم إلا إصرارا وعتوا، قال تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} المائدة 68، وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} إبراهيم 28/ 29،

إن ما في الدنيا من مباهج وملذات، مادية أو معنوية، زينةُ فتنةٍ واختبار، لا زينةَ تشريفٍ وافتخار، والمرء فيها مبتلى في أي حال {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} الفجر 15/ 16، فإذا ذاق الكافر عسيلتها وازينت له، واستزاد منها مكاثرة ومفاخرة واستكبارا واستعلاء، غره إقبالها وأخطأ في تقدير عاقبتها وأخذته العزة بقدرته على الكسب والإثراء، وتوفير وسائل الترف والرفاه، وظن أن لن يقدر عليه أحد، فتعالى في المجالس وسخر من الفقراء والمستضعفين، وتحول قارون عصره وجبار زمانه الذي قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} . بمثل هذه المسيرة وفي هذا المنزلق تتحول نعمة الله كفرا، وتستعصي النفوس عن سماع الحق استعلاء وترفعا، نظرة رضا إلى زينة الاختبار، يليها جمع وادخار، ثم تمتع واستهتار، واستعصاء واستكبار، {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} سبأ 34/ 35. لذلك عندما ضرب الله تعالى ببني إسرائيل مثلا لمن بدل نعمة الله كفرا، في تعقيبه على الفجار الذين يسعون في الأرض فسادا وتأخذهم العزة بالإثم إن ووجهوا بالنصح والإرشاد، زاد الأمر بيانا بذكر الأسباب التي حملت أولئك الأشقياء على التمسك بكفرهم والإصرار على جحودهم، وهي حب الدنيا والركون إليها والاستبشار بزينتها فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت