{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} ، وحروف"الزاء والياء والنون"أصلٌ صحيح يدلُّ على حُسن الشيء وتحسينه كما قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة، وقد خلق الله تعالى بديع السماوات والأرض كل شيء حسنا، على أتم تناسق وجمال {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت} الملك 3، مُتَعُ الدنيا فيها من الحسن نصيبها على محدوديتها وسرعة فنائها لأنها أداة اختبار وابتلاء، ومتع الآخرة فيها من الحسن نصيبها على تمامها وبقائها لأنها مثوبة وجزاء، والناس ما بين واثق بربه وقد زَيَّنَ له الآخرةَ فاختارها، وبين مستعجل لذات دنيوية زينها له الشيطان {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الأنفال 48، ففرح بها وبطر واستعلى وأخذ يسخر من المؤمنين الذين اختاروا الآخرة.
{وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} ، جهلا منهم بسنن الكون ونظام الحياة الذي وضعه خالق الكون والحياة، وبكونهم عند الله في الدرك الأسفل من النار، والمؤمنون فوقهم في الدرجات العليا من الجنة.
{وَالَّذِينَ اتَّقَوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فخَصَّ عز وجل الفوقيةَ بالآخرة لأنها دار البقاء والخلود، والفوقيةُ فيها أبديةٌ دائمة، وخصَّها كذلك بالأتقياء لأنهم أهل لكل تكريم وجزاء. قال تعالى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا} طه 75. أما الرزق فهو لهم فيها خالص بغير حساب، وفي الدنيا أداة ابتلاء تتبعه المساءلة واحتمال العقاب، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وقد ذكرت الروايات أن هذه الآية نزلت في أبي جهل وأصحابه، وفي علماء اليهود من بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، وفي عبد الله بن أبي والمنافقين معه، كانوا يتنعمون ويسخرون من فقراء الصحابة، كعمار وصهيب وأبي عبيدة، وسالم، وعامر بن فُهَيْرَة وخباب وبلال، لإعراضهم عن الدنيا على ما هم فيه من الضعف والحاجة، واستعلائهم على زخارفها وقد زينت للراغبين وتبرجت للطالبين.
وتثبيتا للمؤمنين في مواجهة من يخالفهم من المشركين وأهل الكتاب، نبه الوحي الكريم إلى أن الاختلاف بين الخير والشر، وأهل الإيمان وأهل الكفر ليس طارئا في عصر النبوة المحمدية، فقد كان في الأمم قبلهم، وهو حالة ضرورية لطبيعة الابتلاء الذي بنيت عليه الحياة، وقد كانت الأجيال الأولى على ملة الإسلام التي أهبط بها آدم عليه السلام، كانوا لقلتهم وبساطة عيشهم أمة واحدة لا اختلاف فيها، ثم لما كثر عددهم وتنوع نشاطهم وتعددت مشاربهم وآراؤهم وأهدافهم، دب إليهم الاختلاف، وانتشر بينهم الظلم والعدوان والقتل، ونسوا ما نزل مع أبيهم من شرائع، فعبدوا الأصنام والأوهام والأساطير والنجوم، ونشبت بينهم الحروب، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث إليهم الأنبياء والرسل ويجدد لهم أمر الدين، فيهتدي من كتب له الإيمان ويضل من كتبت عليه الشقاوة، لذلك قال تعالى:
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} ومثله قوله تعالى في الآية 19 من سورة يونس {مَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} ، أي: كانوا جماعة واحدة على منهج واحد هو ملة آدم عليه السلام ثم اختلفوا وتمزقوا طرائق منحرفة عن الحق