غيرة على أم أو بنت أو أخت أوعرض، وهاموا وراء اللذة والدرهم لا يردهم ذل مخز أو عار مهين، أو عرض ينبغي أن يصان، والنتيجة ما نرى من عجز عن المدافعة وتهافت على الأجنبي يباع له الذكور والإناث.
إن مناعة المجتمع تبدأ بمناعة الأسرة بشقيها الرجل والمرأة، ومناعتها بما جعله الله لها من نظم وتشريعات، وأول ما جعله تبارك وتعالى أن ربط الأسرة بميثاق غليظ هو عنوان قدسية الحياة الزوجية وطهارتها وبراءتها، وأنزل من الشرائع ما بها تبنى وتحفظ وتقوم بواجبها في مجتمع إسلامي طاهر نظيف قوي مستعل بإيمانه وعقيدته غير قابل للتبعية والانحراف، شرائع لكل مناحي حياة الأسرة، قبل التأسيس وأثناءه وبعده، واجبات ومباحات ومحرمات ومكروهات وحسن معاشرة وتعاونا على البر والتقوى وخدمة للأمة ورفعا لشأنها، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله فيما بقي) ، وقال: (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني) .
وفي آيات هذه الحلقة يبين تبارك وتعالى بعض هذه التشريعات تحريما لممارسات تعصف بالحياة الزوجية وطهارتها وسلامتها الصحية والنفسية، وتمثل لغما موقوتا ينفجر حالما تتوفر له ظروف الانفجار فيأتي على الأسرة كلها زوجا وزوجة وولدا.
تبدأ هذه التوجيهات بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} ، ولفظ"المحيض"من فعل"حاض"السيل إذا فاض ماؤه، أطلق مجازا على ما ينتاب المرأة عند بلوغها من دم يخرج من رحمها في أوقات منتظمة من كل شهر، يُقال: حاضت المرأة وتحيّضت، ودَرَست وعَرَكت، وطَمِثَت، ولفظ"محيض"في الآية يفيد المصدر من حاض يحيض، كما يعني حسب سياق استعماله مكان الحيض وزمانه. وقد أثير السؤال أو التساؤل من قبل الأنصار والمهاجرين في المدينة أول عهد بالهجرة، لأنهم كانوا قد اختلطوا باليهود وعرفوا من سننهم في الحياة الزوجية، وكان اليهود بحكم التوراة يستنجسون المرأة الحائض ويشتطون في التباعد عنها، كما ورد عندهم في الإصحاح الخامس عشر من سفر اللاويين:"إذا كانت امرأة لها سيل دمًا في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها وكل من مسها يكون نجسًا إلى المساء وكل ما تضطجع عليه يكون نجسًا وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسًا سبعة أيام". كما كان من قبائل العرب من يبغضون المرأة إذا حاضت ويهجرونها وأحيانا يخرجونها إلى خارج مساكنهم كما يفعل نصارى بني سليح من قضاعة.
وسواء كان السائل هو أبو الدحداح ثابت بن الدحداح الأنصاري، أو أُسيد بن حُضير، أو عباد بن بشر، كما ذكرت روايات مختلفة، فإن العبرة بالسؤال وجوابه وما حواه من أحكام، وبوروده عقب تحريم الزواج من المشركين والمشركات، مما استجر السؤال عن سننهم في معاملة الأزواج والزوجات، فكان جوابه تعالى عما أشكل عليهم درسا وافيا في أدب المعاشرة الزوجية وحسن رعاية الزوجة واحترامها وإحلالها ما تستحق من تكريم.