فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 523

بدأ تعالى أولا ببيان علة أحكامه الشرعية في هذا المجال فقال: {قُلْ هُوَ أَذًى} والأذى ما يتأذى به المرء ويصيبه من ضرر، من فعل"أَذِيَ أَذىً أَذاة وأَذِيَّة، وقد آذَيْتُه إيذاءً وأَذِيَّةً وتَأَذَّيْتُ به تَأَذِّيا"، وقد جاء لفظ"الأذى"في هذه الآية الكريمة عاما مطلقا بمعنى الضرر، الضرر للزوجة والزوج مما اعتاد الناس معرفته، نفورا نفسيا ووهنا وضعفا وفقر دم للزوجة ونقص مناعة قد تترتب عليه الاستحاضة بسبب الالتهابات الناتجة عن المعاشرة الزوجية في المحيض، وقد تنتقل بذلك الأمراض من أحد الطرفين إلى الثاني، مما يعرفه أولو الاختصاص من الأطباء وعلم الأحياء ويحذرون منه، ومما قد يكتشفه العلم مستقبلا، لأن الأذى الذي حذر منه القرآن عام ومطلق يفيد ما عرف وما لم يعرف.

وبعد أن بين عز وجل ما في الحيض من الضرر حرم إتيان الزوجة في زمنه ومكانه، فقال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} والاعتزال كناية عن ترك المباشرة، والنساء تعني الزوجات، لأن غير الزوجات محرم إتيانهن في المحيض وفي غيره، وإطلاق النساء على الأزواج معروف كما في قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} الأحزاب 30.

ولئن اختلف العلماء في ما يباح من معاشرة الزوجة في المحيض فإن أولى الأقوال بالصواب أن للزوج من زوجته الحائض ما فوق المؤتزر، لأن السماح بالمباشرة فيما بين السرة والركبة قد يؤدي إلى المحظور، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه، ولما رواه مالك في الموطأ (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مُضْطَجِعَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهَا قَدْ وَثَبَتْ وَثْبَةً شَدِيدَةً فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ يَعْنِي الْحَيْضَةَ فَقَالَتْ نَعَمْ قَالَ شُدِّي عَلَى نَفْسِكِ إِزَارَكِ ثُمَّ عُودِي إِلَى مَضْجَعِكِ) ، وأن رجلا (سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ شَأْنَكَ بِأَعْلَاهَا) . وما رواه أبو داود وصححه الألباني عن حرام بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: (لك ما فوق الإزار) .

ثم حدد عز وجل مدة الاعتزال بانقطاع دم الحيض فقال: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} ، وهي الغاية الأولى التي هي الخلو من الحيض، ولئن اخْتُلِفَ في مدة الحيض لدى المرأة ما بين يوم وليلة وخمسة عشر يوما فإن الأمر مردود إلى عرف النساء، إذ لا وقت لقليله ولا لكثيره إلا ما يوجد في كل امرأة مما اعتادت عليه، فإن تجاوز المدة المعتادة عندها فهو استحاضة، أي أعراض مرضية تستوجب العلاج، فتبادر بالفحص الطبي، وتغتسل وتعود لما حرم عليها بالحيض، صلاة وصياما وقراءة قرآن ومس مصحف وغير ذلك، على أن تتوضأ لكل صلاة وتتنظف من الدم قبيلها، وقد روى مالكٌ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حُبَيش: يا رسول الله، إني لا أطهرُ أفأَدَعُ الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (إنما ذلك عِرْقٌ وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فَدِعى الصلاة فإذا ذهب قَدْرُها فاغسلي عنك الدّمَ وصَلِّي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت