فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 523

واشترط للإتيان انقطاع دم الحيض أولا والطهارة منه ثانيا، وأن يكون ثالثا من حيث أمر الله وهو المكان الذي خلقه عز وجل لذلك وأمر به فطرة وشرعا فقال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} وهي الغاية الثانية لكمال طهارة المرأة، أي إذا انقطع دم الحيض وتطهرت الزوجة بالاغتسال إن استطاعت أو بغسل بقايا الدم والوضوء إن تعذر الاغتسال، أو بالتيمم إن تعذر ذلك كله {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} أي فقد أبيح لكم ما كان بالحيض محرما عليكم، وجاز لكم إتيان الزوجة من حيث أمر الله، أي من المأتى الطبيعي لذلك، لا مما استباحه الشواذ والمنحرفون الذي يتحولون عنه إلى شر مكان شهوة معكوسة، ولا شك أن في تحريم المأتى الطبيعي بمجرد الحيض إشارة واضحة لا لبس فيها إلى تحريم أشد للمأتى الشاذ بنجاسته المؤكدة شرعا وعلما وبمضاره الصحية المعقدة التي أثبتها العلم الحديث.

فإن زللتم بارتكاب ما حرم عليكم من زوجاتكم فبادروا بالتوبة والرجوع عن الإثم، بمباشرتهن من حيث أمركم الله، لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، والله تعالى يحب من عبده إن أخطا أن يتوب ويقول: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} إيذانًا بقبول توبة من يقع منه خلاف ما شرع له، {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} كما يحب من عادتهم التطهر من أدران الآثام وأوساخ الأجسام، والتنزُّهُ عن إتيان النساء من حيث حرم الله، مكانا بالتحول عن منبت الولد، أو زمانا عند محيض الزوجة أو اعتكافها أو إحرامها أو صيامها.

وزيادة في التوضيح لمن يتلكأ في الفهم، على أسلوب القرآن الكريم في التعبير عما يستقبح ويخدش الحياء بالكناية اللطيفة والإشارة المستحسنة، شبه تعالى المعاشرة الزوجية بالأرض تحرث وتلقى فيها البذور فقال {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} أي زوجاتكم مزدرع ذريتكم، تأتونهن فتلقون في أرحامهن النطفة للإنجاب والتناسل والإعفاف عن الخنا، كما يحرث الفلاح الأرض طلبا للزرع والأمن الغذائي، هذه هي المعاشرة الزوجية في معناها الإسلامي، وما سواها شذوذ محرم بالكتاب والسنة والفطرة السليمة، تتنزه البهائم عنه والذر والحشر.

ثم لما بين تعالى مكان الإتيان لم يبق إلا زمنه ووقته فقال: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي لكم أن تباشروهن متى شئتم وفي أي وقت أردتم، لأن حرف"أنيَّ"في هذا السياق يفيد الزمان دون المكان الذي بينه تعالى بقوله (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّه) وقوله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} .

ولما كانت الزوجة عماد الأسرة وعنوان شرفها وعرضها ومحضن تربية النشء فيها وليست مجرد متاع يستلذ به كلما عنت رغبة أو شهوة، فقد نبه الوحي إلى ما ينبغي أن تعامل به مما يحفظ كرامتها وقدسية ميثاقها وحقوقها على الزوج فقال تعالى: {وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ} عند المباشرة بالقول الطيب والمعاملة الحسنة وعدم الإضرار بالزوجة، واستشعار المسؤولية الدينية وذكر الله وتسميته، وتجنب محرمات الأقوال والأفعال، لأن المباشرة نفسها عبادة، تنشر بها الفضيلة في المجتمع، وتقمع بها الرذيلة، ويتكاثر بها الصالحون إن كانت على ما يرضيه عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فولد بينهما ولد لم يضره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت