فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 523

الشيطان أبدا). ثم عقب بتحذير صريح من المخالفة بقوله: {وَاتَّقُوا اللّه َ} احذروا ما يغضب ربكم من ممارسات لا تليق بالمؤمن ولا بزوجته، {وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ} فيثيب المحسن ويجزي المسيء يوم الحساب، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} بشر المؤمنين المطيعين الممتثلين لأمر الله تعالى بحسن المآب وخير الثواب.

وبعد أن بينت الآية مكارم الشريعة في الحياة الزوجية وما ينبغي أن تكون عليه المعاشرة الطيبة النظيفة المحترمة، تابعت الحديث على نفس النهج فذكرت تصرفات أخرى جاهلة تعود بعض الأزواج الوقوع فيها وإفساد حياتهم بها، وهي أن يحلفوا بالله عند كل غضب أو استثارة أو حرج، والقسم على ألسنتهم سائب عفوي، ومن هذا شأنه يسارع بالحَلِفِ على الإيلاء والطلاق والعتاق وما لا يجوز من القول والفعل، قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} . والعرضة اسم لكل ما يعترض الشيء فيمنع من الوصول إليه، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعًا للناس من السلوك والمرور، والأيمان جمع يمين وهي الحَلِف والقسم، أصل التسمية أن المتعاقدين من العرب كانوا يوثقون قسمهم بأن يضع كل منهم يمينه في يمين الآخر، وفي هذه الآية الكريمة تحريمٌ للجراءة على الحلف والإكثار منه تأكيدا أو نفيا أو إثباتا أو توثيقا، ونَهْيٌ عن الاستهانة به وتعريضه حاجزا دون البر ومانعا منه، كمن يدعى إلى معروف أو خير أو إصلاح ذات البين أوصلة رحم أو إحسان إلى زوجة فيقول سبقت مني يمين على عدم الفعل، وقد ذم الله تعالى من يكثر الحَلِف بقوله: {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} القلم 10، وأمر بحفظ الأيمان فقال: {واحفظوا أَيْمَانَكُمْ} المائدة 89، لأن من جعل اليمين على لسانه في كل أمر لم يؤمن أن يحلف على باطل ويمنعه اليمين الرجوع إلى الحق، والحال أن الشرع حتى في هذه الحالة جعل له مخرجا إلى التحلل منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) . وقال: (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) ، وقال: (وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ) .

أما سبب نزول الآية فقد ذكر الواحدي أنها في عبد الله ابن رواحة حلف ألا يدخل على خَتَنِه] [1] [أبدا ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين امرأته، فنهي عن ذلك فقال:"قد حلفت بالله أن لا أفعل ولا يحل إلا أن أبر في يميني"، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وذكر السيوطي أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما أقسم ألا ينفق على مسطح الذي خاض في شأن ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فنزلت الآية تنهاه عن التمسك بيمينه، وشبيه بها قوله تعالى في نفس الحادثة: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} النور 22. والآيتان معا نهي عن المحافظة على

(1) - الخَتَنُ أَبو امرأَة الرجل وأَخو امرأَته وكل من كان من قِبَلِ امرأَته والجمع أَخْتانٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت