فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 523

اليمين إذا كانت هذه اليمين مانعة من البر والتقوى وفعل الخير. {وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع أيمان من يحلف به، ويعلم نيته وقصده، كما يعلم من يترك الحَلِفَ تعظيما لله تعالى، ومن يكفر عن يمينه الظالمة ويعود إلى الحق والبر ابتغاء وجهه الكريم.

على أن من لطف الله بعباده أنه تجاوز عن الأيمان التي يجري بها اللسان بغير قصد، فلم يجعل عليها كفارة، فقال: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} واللغو مصدر من فعل"لغا الطائر يلغو لغوا"إذا صوت، وهو من الكلام سقطه وما لايعتد به، وليس منه فائدة، وما يورده صاحبه من غير روية أو فكر، وما لم تنعقد عليه النية والقصد، قال صلى الله عليه وسلم: (اللغو في اليمين كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله) .

وقد ذكر الواحدي في سبب النزول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مضر، واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ويترهبوا، ويجبوا المذاكير، وحلفوا على ما اتفقوا عليه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعهم فقال: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ فقالوا: بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير، فقال: إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني، فقالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها، فأنزل الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} .

وسواء كان لغو اليمين ما سبق به اللسان على عجلة وسرعة وبدون ترو أو قصد، أو في حالة غضب طافح أو كان نسيانا أو تحت إكراه قاهر، أو كان ما حلف الحالف عليه وهو يعتقد أنه هو الحق ثم تبين له خطأ اعتقاده، فإن ذلك مما يدخل في العفو ولا يؤاخذ به، ولا كفارة عليه. لأن ما سبق به اللسان عجلة أو تعودا أو غضبا طافحا محض لغو معفو عنه، وما أخطأ فيه المرء أو نسيه أوأكره عليه يلحق باللغو من حيث رفع الإثم لما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، وكذلك الحَلِفُ على ارتكاب معصية فكفارته التوبة وعدم إتيانها.

ولئن كانت الأيمان أصنافا، لغوا أو كسب قلوب، اختيارا ورضا أو تحت إكراه يصعب رده، على حاضر أو ماض أو مستقبل، وكانت المؤاخذة على الحنث لا على أصل القسم بالكفارة، أو بالإثم الغليظ دون الكفارة فيما تضمن زورا أو اقتطاع حقوق بالباطل، فإنها بحسب حكمها يمين على محرم وهي الكاذبة، وعلى مباح وهي الصادقة، وعلى مستقبل عقدها والوفاء بها طاعة، والحنث فيها معصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت