فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 523

وبحسب جزائها والتحلل من تبعاتها لا تخرج عن ثلاث صفات:

لغو معفو عنه ليس عليه كفارة، ولا يجوز التمادي فيه، لأن تعوده قد يقود إلى الأيمان المحرمة المؤاخذ عليها.

ويمين على باطل هي الغموس والمصبورة، سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم والنار، وسميت مصبورة، كما يُصْبَرُ الحيوان للرمي والقتل] [1] [، لأن الجراءة على ارتكابها هلاك لا ريب فيه، وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا (اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع) ] [2] [، وهي عند الإمام مالك أكبر إثما من أن تكفر، فلا كفارة فيها. ومنها أن يحلف المرء على شيء يقتطع به ظلما حقا من حقوق الغير، أو يحلف حرَّ الإرادة غيرَ مكره، على شيء فعله أنه لم يفعله، أو شيء لم يفعله أنه فعله، أو شيء واقع فعلا أنه لم يقع، أو شيء لم يقع أنه وقع، وهو عند حَلِفِه متعمد عارف وجه الحق ذاكر له، ويترتب على يمينه ضياع حقوق أو حصول مضار، فهذا هو اليمين الذي قال عنه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} آل عمران 77، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: (الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ) ولا كفارة ترفع إثم هذه اليمين، إلا أن يتوب صاحبها ويتحلل من المظالم المترتبة عليها.

ويمين منعقدة، وهي التي تكون على المستقبل، ويكون فيها الحِنْثُ أو البر، ومنها مثلا أن يحلف المرء على أن يفعل شيئا أو أن لا يفعله، فلا يوفي بما حلف عليه فعلا أو تركا، وهذا تَجُبُّ الكفارة إثْمَه، لأنه تعالى غفور حليم، وقد فصل أحكام الكفارة في الآية 89 من سورة المائدة فقال عز وجل: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

وبعد بيان أحكام الأيمان، تطرق الوحي إلى صنف آخر منها خاص ببعض الأزواج، يعد ظلما صارخا منهم لزوجاتهم، وهو أنهم كانوا يحلفون على الامتناع عن مباشرتهن وغمطهن حقوقهن الزوجية، فقال عز وجل عقب ذلك: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .

(1) - صَبَرَه عن الشيء يَصْبِرُه صَبْرًا: حَبَسَه، وأَصل الصَّبْر الحَبْس وكل من حَبَس شيئًا فقد صَبَرَه، والصَّبْرُ أيضا نَصْب الإِنسان للقَتْل فهو مَصْبُور، وكل ذي روح يصبر حيًّا ثم يرمى حتى يقتل فقد قتل صبرا

(2) - بلاقع: جمع بلقع وهي الأرض القفراء التي لا شيء فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت