والإيلاء لغة من فعل آلَى يُؤْلي إيلاءً وتأَلَّى يَتأَلَّى تأَلِّيًا وأْتَلى يَأْتَلي ائتِلاء إذا حلف، ويقصد به في هذه الآية الكريمة ما كان بعض الأزواج يفعلونه تأديبا لزوجاتهم أو إضرارا بهن أو غضبا عليهم أو كراهية لهن أو لمصلحة متوهمة فيها ضرر للزوجة، فيحلفون على عدم إتيانهن، أو يمتنعون عن مباشرتهن لغير عذر ولو بدون حلف كما ذهب إليه المالكية، المدة الطويلة التي تتأذى بها المرأة ويتخلخل بها بناء الأسرة وتماسكها.
والإيلاء عند الجمهور حرام، لأنه يمين على ترك واجب، وعند أبي حنيفة مكروه كراهة تحريم، ويختص عند المالكية بالزوج المسلم البالغ العاقل لا الصبي ولا المجنون، وبالممكن وطؤه ولو سكرانا، لا المجبوب والخصي، ولا إيلاء على المرضع إذا كان ترك الوطئ لإصلاح رضيعها.
وعرفه الحنابلة بأنه حلف بالله أو بصفة من صفاته، يصدر عن زوج يمكنه الجماع، على ترك الوطء مطلقا ولو قبل الدخول، ولا يصح الحلف بنذر أو بطلاق ونحوه، خلافا للمالكية والحنفية لجوازه عندهم بنذر أو قربة أو تعليق طلاق. وللشافعية لصحته عندهم بيمين الطلاق والنذر.
وظاهر الآية يفيد أن الإيلاء لابد فيه من اليمين، إلا أن المالكية يرون أن الإيلاء لم يرد لعينه وإنما شرع لرفع ضرر امتناع الزوج عن معاشرة زوجته مطلقا فكان حكم النازلة عندهم واحدا، بيمين أو بغير يمين، وقد جعل الله مدة الإيلاء مخرجا من سوء عشرة الزوج وتنطعه ومضارته، ووقت لتوبته وعودته إلى زوجته أجل أربعة أشهر {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} والتربص معناه الانتظار، {فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والفيء لغة الرجوع، والمراد الشرعي به غشيان الزوج زوجته ومباشرتها بالوطء لمن لا عذر له فإن كان مريضا أو مسافرا أو مسجونا تكفي المراجعة بالقول كما هو مذهب الجمهور.
فإن فاء الزوج غفر الله له إثم ظلمه زوجته واعتدائه على حقها في المعاشرة الزوجية بالمعروف، وكان ذلك رحمة منه تعالى له ولها لقوله عز وجل: {فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وإن قرر الزوج طلاق زوجته أثناء المدة أو بعد انقضائها فإن الله سميع لما يصدر عنه عليم به مجاز كلا بما يستحق.
وإن لم يفئ ولم يطلق خلال الشهور الأربعة المحددة للتربص والانتظار أو عند انقضائها أمر بالرجوع عن يمينه وغشيان زوجته، وخير بينه وبين الطلاق، فإن أصر على يمينه ورفض الطلاق طلقها القاضي عليه، وهو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد، معتبرين أن مدة التربص مجرد أجل يعطى للمؤلي يرفع فيه الضرر عن زوجته، كما هو حال الأجل الذي يعطى للعنين. أما الحنفية فقد شبهوا الإيلاء بالطلاق الرجعي وشبهوا مدته بالعدة الرجعية، لذلك يرون أن الزوج إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ بانت منه زوجته، عملا بما ذهب إليه ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي.