وسبب الخلاف فهمهم للمقصود من قوله تعالى: {فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، فهم منها الجمهور أن للمؤلي انتظار أربعة أشهر فإن فاء بعد مضي المدة غفر له ظلم زوجته، وإن لم يفئ ولم يطلق رفع الأمر إلى القاضي فإما فيء وإما طلاق. وفهم منها الحنفية أن المؤلي إذا استمر في يمينه بعد مضي المدة كان ذلك منه عزما على الطلاق ويقع الطلاق بحكم الشرع.
وفي كلتا حالَتي الفيء، بإرادة الزوج في الأجل المضروب، أو بأمر القاضي، تلزم كفارة اليمين عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم. ويتكفل الزوج بحقوق الزوجة نفقة ومسكنا وملبسا وعلاجا وبكل ما جعله الله لها عليه طيلة مدة الإيلاء. أما ما يترتب على الطلاق في حال حصوله من عدة ومتعة وحقوق وواجبات فلازم على خلاف فقهي ينأى بنا عن سياق التفسير، وليس من شأن التفسير استقراء فقه الفروع وتتبع جزئياته.
بهذه الآيات الكريمة وضع الوحي الحكيم مبادئ قيام الحياة الزوجية الراقية بما يحفظ للمرأة سلامتها الجسدية وصحتها النفسية وكرامتها وعلو منزلتها ومكانتها في البيت المسلم، وبنى الأسرة المسلمة على أساس المعروف والمودة والرحمة والسكن والميثاق الغليظ، لا على أساس الهوى والنزوات وعقلية القهر والأسر وطغيان طرف على آخر، وكَفَّ ظلم الرجل القوي المتسلط على الزوجة الضعيفة أو الْحَيِيَّة أو الطيبة أو المسالمة ذات الدين والمروءة، قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وقال: (ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم) ] [1] [، وبذلك استرجعت الزوجة المسلمة كرامتها ومكانتها التي خلقت عليها وهيئت لها وصانها ربها الكريم بتشريعاته الحكيمة عن أن تبتذل كما تبتذل المرأة في المجتمعات النصرانية واليهودية والعلمانية والوثنية، وقد جعلت فيها قديما كائنا مستضعفا ليس له من المواطنة إلا أن يستمتع به بشتى كيفيات الاستمتاع البهيمي، وحديثا حيوانا سائبا مستباحا للمتعة والمتاجرة والدعارة الصريحة والمقنعة، والاسترقاق المهين والدعاية الرخيصة السافلة، وانتقلت عدوى هذه الكوارث المرضية إلى حصون للمسلمين تهدمت قواعدها وصار نواطيرها ذئابها، وفجارها أسيادها، وأتقياؤها نزلاء سجونها وعلى مقاصلها وأعواد مشانقها.
(1) - الجامع الكبير للسيوطي، وفي سنده إبراهيم بن محمد الأسلمى تركوه ووثقه الشافعى وحده.