فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 523

الرشد قادرا على الكسب، سواء بقي عند أمه ما لم تسقط حضانتها أو عاد إلى بيت والده، في أحكام شرعية ذهبت بها الآراء إلى اختلاف كثير باختلاف الحالات والمجتمعات، مما يرجع إلى تفاصيله في فقه الفروع.

ولأن الحياة الزوجية مهما صفت لا تخلو من شد وجذب بين الزوجين، وعلاقة الرجل بمطلقته غالبا ما تنتابها المعاندة والشقاق، وكانت المسترضعة بأجرة في أكثر أحوالها فقيرة مستضعفة محتاجة، وكانت المعاملات المالية مظنة المشاحة والمماكسة والمماطلة، وقد دأب الوحي الكريم حماية للناس من الجنوح للظلم والبغي على أن يربط كل تشريع بعبادة أو قربى، فقد ذكَّر عقب ذلك بما يحرم على كل أطراف هذه العلاقة من استغلال لها قصد الإضرار أو الابتزاز أو المشاقة فقال تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} . وحرف"لا"في هذه الآية الكريمة للنهي تحريما لكل أوجه الإضرار التي قد تصدر منهم نحو بعضهم أو تنعكس سلبا على الرضيع.

على الزوج بمقتضى هذا النهي أن لا يضيق على زوجته بالتقتير عليها أو إساءة معاملتها أو التقصير في حقها، أو باسترضاع غيرها وهي راغبة في الإرضاع، كيلا تقصر في حق الولد أو تضعف عن رعايته، قال تعالى: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِن} الطلاق 6، وكذلك يكون الشأن في معاملته الأم المطلقة والمسترضعة بأجر.

وعلى كل من الزوجة أو الأم المطلقة أو المسترضعة أن تجتنب الإضرار بالوالد وقد وجبت عليه النفقة، بابتزازه ماديا أو عاطفيا، أو مطالبته بالإنفاق بأكثر مما يطيق، أو الامتناع عن الإرضاع لأدنى سبب، أو إساءة معاملة الرضيع تضييقا ونكاية وإغاظة.

والقاعدة الأصيلة التي تضبط هذه العلاقة في هذه الحالة وفي غيرها من علاقات الناس جميعا فيما بينهم هي العدل وعدم استغلال عاطفة القرابة أو شنآن الخصام للإضرار، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} المائدة 8، وقال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} الأنعام 152، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار) أي لا ضرر بالغير مبادأة، ولا ضرار بهم مجازاة، وقال: (من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه) ، وإنما عَدْلٌ في كل الأحوال، أما في حالة الرضاعة وأحدُ أطرافها طفلٌ عاجز عن كفاية نفسه، وآخرُ امرأةٌ ضعيفة في عصمة زوجها أو مطلقةٌ أو فقيرة مسترضعة، فإن العدل ينبغي أن تشوبه المكارمة والإحسان قال تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} البقرة 237، والقاعدة في ذلك كله أن الضرر في جميع ما نهى الشرع عنه حراما كان أو مكروها، وأن النفع والمصلحة في جميع ما أوجبه أو ندب إليه أو استحبه، والله تعالى يعلم المصلح من المفسد.

وفي معنى قوله تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} إشارة واضحة إلى وجوب الترفع عن الضغائن أو الإضرار بالرضيع، فهو ليس أجنبيا عنهما، هذه أمه وهذا أبوه، من واجبهما ومن مقتضى العاطفة السوية والفطرة السليمة أن يشفقا عليه ويرحماه ويجتنبا ما يضره في حاله ومآله، كما أن من واجبهما نحو أمتهما ألا يمداها بناشئة معقدة أو منحرفة أو حاقدة أو مريضة، بسبب ما بينهما من أحقاد وخصام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت