فهرس الكتاب

الصفحة 440 من 523

هذه واجبات الأب حيا قادرا نحو ولده ونحو المرضعة، زوجة كانت أو مطلقة أو مسترضعة، إلا أنه في حالات أخرى قد يكون ميتا أو حيا عاجزا عن الإنفاق لمرض يقعده أو فقر مدقع لا سبيل إلى تجاوزه والتغلب عليه، أو محصورا عن السعي لسجن أو خوف عدو, هذه الحالة لم يغفلها التشريع الإلهي مطلقا، بل وضع لها ما يناسبها ويقوم بها ويَرُمُّ كسور المجتمع بها، فقال تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} أي على الوارث واجب الإنفاق على إرضاع الطفل وتنشئته إلى أن يبلغ راشدا قادرا.

ونظرا لكون لفظ"الوارث"ورد في الآية عاما مطلقا، فقد اختلف في تحديد المقصود به، فقال بعضهم: ينفق عليه الرجال الذين يرثونه فيما لو مات وترك مالا. وقال أحمد: الرجال والنساء في هذا سواء، وذهب أبوحنيفة إلى أنهم كل ذي رحم محرم من قرابة الصبي. وقال الحسن والسدي ينفق عليه من يرث أباه لو كان ترك مالا، وقيل: تجبر عصبته من الرجال على الإنفاق عليه، ورجح الطبري أن المراد بالوارث الصبي نفسه، ينفق عليه من ماله إن كان له مال، وذهب مالك والشافعي إلى أن الصبي اليتيم إذا لم يكن له مال كانت نفقته على أمه.

إلا أن الآية تحتمل كل هذه الوجوه مجتمعة حسب درجات اليسر والعسر التي قد يكون عليها الصبي ووالدته وعصبته، وهذا من إعجاز التعبير القرآني الحكيم. ذلك أن الغاية من التعميم والإطلاق في لفظ"الوارث"أن النفقة على الصبي واجبة في كل أحواله، على أبيه الحي ما كان قادرا على النفقة، أو على الصبي نفسه إن كان يتيما وارثا ما يكفيه، فإن توفي والد الصبي الفقير أو عجز عن الإنفاق عجزا مطلقا لمرض أو سجن أو غيره يتحمل النفقة عنه الذكور من أرحامه لأبيه لأنه فرع في شجرتهم، الأقرب فالأقرب حسب استطاعتهم، يُبْدأ بمن يرثون أباه فيما لو ترك مالا، ويشترك النساء معهم في حمل هذه المسؤولية إن ضعفوا عن الوفاء بها تامة، أو يتحملها من يرثون الطفل فيما لو مات وترك خيرا، فإن لم يك هؤلاء ولا أولئك تكفل بيت مال المسلمين بها وسئل أميرهم عنها وحوسب عليها. أما الأم فلا تنفق عليه إن كانت غنية إلا تطوعا. وفي كل الأحوال للصبي في مال الأمة حق اليتيم، لأن رعايته حق الله على العباد لا يتحللون منها إلا بأدائها، إن وجد القضاء الإسلامي النزيه رفع الأمر إليه فحكم له، وإن وجد الحكم الرشيد رعى الأيتام وأكرمهم، وسن لهم من النظم والقوانين ما يقوم بهم ويكفي حاجاتهم. قال تعالى: {أرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} الماعون 1/ 3، وقال: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} الفجر 17، وأخرج البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا) ، وقال أيضا: (لا قدِّسَتْ أُمةٌ لا يُعْطى الضعِيفُ فِيها حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ) ] [1] [. إلا أن لهذه القضية مدخلا للقياس قد يكون وجيها، إذا اعتبرنا أن رعاية الطفل الفقير بعد

(1) - قال الألباني: صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت