فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 523

والمنعة منه، وأوضحت مفهوم الإيمان والهجرة والجهاد في مدرسة الإسلام، وحذرت من رأس المكاسب الخبيثة خمرا وميسرا لما تغيبه من العقول وما تشيعه في الأمة من الخمول، ومن أكل أموال المستضعفين والأيتام وخيانة الأمانة، ثم وضعت أسس بناء الأسرة المسلمة، وهي النواة التي ينبغي أن تكون صلبة قوية، ورسمت منهج قيامها بوتقةً رشيدة للأمة أخلاقا سوية وحسنَ معاشرة، وما يحفظ المجتمع حال انفكاكها بالطلاق أو بالوفاة، مقررة للأبناء حقوقهم في التغذية والتنمية والتنشئة السوية في حالي الوفاق أو الفراق.

إلا أن التشريعات وحدها لا تكفي لبناء الأمة الشاهدة الرائدة التي بعثت النبوة المحمدية لتأسيسها، بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} آل عمران 110، وقوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} التوبة 33، وقوله في صفة رجالها: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح 29. بل إن منظومة القيم الإيمانية والتشريعية التي أصّلها الإسلام مجملة ومفصلة وحدها لا تجدي إن طبقت في مجتمع نفوس أهله خائرة ضعيفة، غاية همها تِبْن في النهار ومنام في الليل، وشهوة منتهزة بينهما.

ذلك أن النفوس المنهزمة وقد آثرت الخبز على العز، وركنت إلى الدعة على مرارتها، والخمول على وضاعته، وذل الخنوع على مخاطر المجد والمعالي، لن تخرج لجهاد قط، ولن تدافع عدوا أبدا، فإن أخرجت قسرا كانت أسرع إلى الفرار من حمر مستنفرة فرت من قسورة، لذلك التفت الوحي الحكيم إلى هذه الحالة يعالج دواخل النفوس بعد أن عالج ظواهر التصرفات والمكاسب والعلاقات، لأن النفوس مكمن الطاقة التنفيذية في المرء، صبرا إيجابيا على المشاق، وصمودا فعالا أمام المحن، وقتالية مدافعة وهجوم في وجه العدو، وقد سئل الإمام علي كرم الله وجهه يوما عن السر في تكبيره عند هجومه على عدوه تكبيرة تنخلع منها القلوب فقال: إنني أقدم على عدوي واثقا بأنني سأقتله، ولديه ثقة بأنني سأقتله، فأكون أنا ونفسه عليه، وعندما عجب عمر لاشتهار سيف القعقاع ولا ميزة له عن السيوف قيل له: ميزته في الذراع التي تحمله, ولعل فشلَ جهود الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني على اختلاف اتجاهاتها الفكرية في رفع الروح المعنوية لدى الشعوب المسلمة المعاصرة، بمحاولة علمنتها تارة ومركستها أو لبرلتها تارة، وفشلَها أيضا في رفع معنويات الحكام وبث روح العزة والمدافعة عن العرض والأرض في نفوسهم، دليل صارخ على عدم جدوى الإيديولوجيات المعتمدة والوسائل المنتهجة، وعلى ما أصاب الأمة من خواء أنفس عمرتها الهزيمة، وفراغ قلوب تحسب كل صيحة عليها.

هذه الحالة المرضية وصفها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من قبل، وبين أسبابها ونتائجها في حديثه الصحيح إذ قال: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟، قال: بل أنتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت