يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعَنَّ اللهُ من صدور عدوكم المهابةَ منكم، وليقذفَنَّ الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم إصبعه على مكمن الداء الذي هو حب الدنيا حرصا عليها وكراهية الموت خوفا وفرارا منها. وقبل ذلك نزل القرآن الكريم محذرا من هذا الداء الوبيل بقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} القيامة 20، وأرشد إلى علاج النفوس المنهزمة والقلوب الخائرة باستعلاء الإيمان واستشعار الأمن من الله تعالى بحسن الظن به، فقال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران، 139، وقال: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّه مَا لَا يَرْجُونَ} النساء 104.
وعلى صعيد التربية والإعداد بتجربة الصواب ونتائجه والخطأ وعواقبه، ورؤية مقومات النصر وأسباب الهزيمة عيانا، كان النصر المؤزر في غزوة بدر والنفوس مليئة بالإيمان والقلوب مستعلية بهدي القرآن، على قلة العدد وندرة الطعام والشراب والسلاح وشدة الحصار ووعثاء الهجرة، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة} آل عمران 123.
ويوم حنين والمسلمون في أوج قوتهم العددية والعسكرية بعد فتح مكة، وقد داخلهم الإعجاب بالكثرة وموازينها، والاستعلاء بالقوة المادية ومقاييسها، كانت الهزيمة والفرار بادئ الأمر، قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} التوبة 25، حتى إذا تلقوا درس التجربة مرًّا، وعرفوا الحق وآبوا إليه، كان العفو عنهم والنصر لهم، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} 26.
إن الهزيمة في النفس لا تكون إلا لخوف من موت يتصوره الجاهلون فناء واندثارا، واستبدالا لخير أدنى معلوم بمآل مجهول على رغم ما قد يُدَّعَي من الإيمان بالله واليوم الآخر، كما قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} الحجرات 14، ومهما كابر المهزوم أو أنكر فإن تصرفاته تكشف حقيقة نفسه ودخيلة قلبه، لذلك كان أول نصر يحققه المجاهد على عدوه أن ينتصر على الخوف من الموت في نفسه وإلا أصبح أول المهزومين، وكانت أول خطوة في مجال العقيدة القتالية الإسلامية أن يُهْزَم الخوف من الموت وأن يعاد بناء الشخصية المؤمنة على الفدائية والاستبسال، والدفاع عن الحوزة والأرض والعرض والدين، احتسابا لله وإيثارا لمرضاته، وثقة بأن الآجال بيده عز وجل.
ولئن سعى الوحي إلى هذه الغاية، فبين في سياقات كثيرة أن الموت حدث طبيعي يذوقه كل من في السموات والأرض، وأن النعيم الأبدي في الجنة ليس له من سبيل إلا الموت، فإنه في آيات هذ الدرس يسير في نفس المسعى