فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 523

ولنفس الهدف، ولكن ليس بالوعظ أو بتجربة الخطأ والصواب كما ألفنا، بل بتجربة الموت نفسه، كي تتأكد المفاهيم وتتضح التصورات، ويُعْلَمَ أن الموت من أمر الله تعالى، يأتي لأجل مضروب وميعاد موقوت، لا تعجل به شجاعة، ولا يؤجله جبن أو فرار. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} .

بهذا الإيجاز الموفي بكل ما يراد من الحادثة، يلفت الوحي الأبصار والقلوب إلى حقيقة عقدية تحيي النفوس الخائرة الخائفة من الموت، حقيقة طالما قررتها آيات القرآن الكريم بصيغ وأساليب تناسب ما وردت فيه من سياق، تارة بتقرير أن الموت من خلق الله تعالى كتبه على عباده لحكمة قدرها وأرادها، وما كان من خلقه ليس لبشر سلطان عليه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} الملك 2، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} الأنبياء 35، وتارة بأن له أجلا غير قابل للزيادة أو النقصان: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} يونس 49، {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} النحل 61، {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} نوح 4، {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة} النساء 78.

لقد ذكر إحياء الموتى في سورة البقرة خمس مرات، أربع منها لبيان قدرة الله تعالى وعلمه وبليغ صنعه وحكمته، إحداهن في بني إسرائيل وقد لجوا في مجادلة نبيهم موسى عليه السلام فكانت الإماتة والإحياء عقوبة وبيانا لقدرته على معاقبتهم والانتقام منهم، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة 55/ 56، والثانية لبيان قدرته تعالى على إخراج مكنون الأنفس وإحياء الموتى بأبسط ما لا يكاد العقل يتصوره، في قصة بقرة بني إسرائيل وقد قتلوا نفسا فكتموا وأنكروا، قال تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} البقرة 72/ 73، والثالثة في قصة الذي مر على قرية وهي خاوية: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} البقرة 259، والرابعة في قصة إبراهيم والطيور الأربعة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} البقرة 260.

إلا أن الخامسة كانت لهدف تربوي يصحح التصور الإيماني لحقيقة الموت، ويضفي عليها مسحة واقع حي في قوم فروا منه فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، لينزع من قلوبهم خوف الموت، ويبين لهم أنه مجرد نقلة من حياة إلى حياة، ولن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت