يضيرهم الموت في شيء إنما الذي يضيرهم هو ما بعده، يوم يردون إلى ربهم للمحاسبة والجزاء كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجمعة 8.
لقد ورد ذكر حادثة الخروج من الديار موجزا مركزا مجردا عن التفاصيل، فلم تذكر الآية زمنا للخروج، ولا تعريفا بالقوم الذين خرجوا، ولا سببا لفرارهم من الموت، عن وباء أرعبهم أو عدو ذي شوكة هاجمهم، ولا حالهم بعد عودتهم إلى الحياة أو مدى استفادتهم من التجربة، ولم يُرْوَ عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث صحيح، لأن هذه التفاصيل والجزئيات لا قيمة لها في تقرير ما يراد من الحادثة، وذكرُها يصرف عن استخلاص الحكمة من إيرادها، ويشغل بالجوانب القصصية والتاريخية عن الاتعاظ والاستفادة منها، ويوقع أحيانا كثيرة في تبني الأساطير والخرافات والإسرائيليات، فتضعف العقول عن الفهم وتكل عن الاستيعاب، وتغيب عن الأفئدة الغاية والهدف من التجربة.
لقد خافوا الموت ففروا منه فأحياهم الله تعالى ثم أماتهم، فعرفوا أن الموت حق، وأنه بيد الله تعالى وحده لا شريك له، لا أثر للفرار منه أو الإقبال عليه في تحديد أجله، وأنه نقلة طبيعية واجبة من عالم الاختبار والابتلاء إلى عالم المحاسبة والجزاء، فإن كان خوف فليكن ليوم الدين من مالك يوم الدين. بهذه المعرفة وهذا اليقين ينهزم في القلوب الخوف من الموت، فتنتصر الحياة الحقة، نصرا في الدنيا بإقامة أمة الخيرية والشهادة، ونصرا في الآخرة حياة عز ونعيم مخلد.
إن الآجال محددة والأرزاق مقدرة، والله تعالى يختار للإيمان به والجهاد في سبيله من يصطفيهم لمحبته وفضله ونعيم جنته، ولئن كان فضل الله تعالى على الناس مؤمنهم وكافرهم ظاهرا بينا فإنه على الصادقين من عباده أشد وضوحا وظهورا لأنه يشمل الدنيا والآخرة، لذلك عقب عز وجل على الحادثة بقوله: {إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} ، فضله بهدايتهم جميعا إلى الحق، وبتيسيره لمن اختاره ورضيه، وفضله على من قتل في سبيله، إذ خفف عنه محنة القتل فجعله أقل إيلاما من قرصة يقرصها، وأبدل الشهيد حياة خيرا من حياته وأبقى وأعز وأنبل، قال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت 64، وقال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} آل عمران 169/ 170. وقال صلى الله عليه وسلم: (الشهيد لا يجد مس القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها) ، وقال الإمام علي كرم الله وجهه:"أيها الناس إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون من ميتة على الفراش".
الموت حق، أما الخوف منه فمجرد غبش يعتور التصور الإيماني ويشاغب عليه، له أحد ثلاثة أسباب، حرصٌ على شهوة نفس ولذة مطعم ومكسب أموال يحمل المرء على التشبثِ بالحياة واهتبالِ فرص التكاثر فيها، ونسيانِ الآخرة وإهمالِ شأنها، أو جهلٌ مطبق بما بعد الموت من حياة أخرى خلودا في الجنة أو في النار، أو خوفٌ من آثام قدمها