ومظالم ارتكبها. فإذا تدبر واعتبر عرف أن هذا الخوف في حقيقته خوف مما بعد الموت، وليس خوفا منه، علاجه المعرفة والتوبة واستعظام ما عند الله من خير يرجى وعذاب يخشى، قال ابن عباس رضي الله عنه:"ما أحد إلا والموت خير له، لأن الله تعالى قال في الأخيار: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} آل عمران 198، وقال في الأشرار: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} آل عمران 178."
إن المرء لا يستطيع أن ينتصر على نفسه وهواه، أو أن يحقق نصرا على عدوه ما لم يهزم الخوف من الموت، وكذلك قادة الأمة وساستها، إن لم يهزموا في قلوبهم الخوف من الموت والحرص على الحياة، فلن يقودوا أمتهم إلا إلى الهزيمة والخنوع المذل للعدو. وكم من شعوب صادقة متوثبة للنصر والدفاع عن الحوزة يقودها جبناء ألفوا السلامة وتمسكوا بها على وضاعة وذلة وخضوع، فكبلوا شعوبهم عن طلب المعالي والسعي للحرية والانعتاق، وكم من قادة لديهم من مقومات النصر ما ليس عند غيرهم ولكنهم ابتلوا بشعوب لم ترتفع هممها عن مطالب التبن والشعير.
أما الخوف مما بعد الموت فهو سلاح المؤمن في مواجهة الخوف من الموت وهزيمته. إنه سبيل الفوز والنجاة بين يدي الله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه} الزمر 9، وحري بمن شاهد بعينه أو ببصيرته أو علم من مصدر يقين هو القرآن الكريم بقوم فروا وهم ألوف من الموت فأماتهم الله بواحدة كلمح بالبصر ثم أحياهم بيسر وسهولة في لحظة خاطفة، أن يصرف عقله وقلبه عن الخوف من الموت في جميع حالات السلم والحرب ومواجهة العدو ومدافعته، إلى التفكير في الدنيا وما عمل فيها والآخرة وما أعد لها، وأن يستجيب لداعي الجهاد في سبيل الله غير هياب ولا متردد ولا متقاعس.
لقد وردت هذه الآية الكريمة لتؤكد في مشهد حي متحرك حالة من حالات الهزيمة النفسية مقرونة بعلاجها، وتوضح بجلاء مبدأ هو الركن الركين في العقيدة القتالية الإسلامية، بدونه لا يقوم للأمة أمر ولا ترفع لشعارها راية، فكانت بمضمونها وإشاراتها أعظم آية في الحث على الجهاد وأقوى قاعدة وأثبت منطلق وأوضح توطئة لما جاء بعدها من أمر بالقتال في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ} . ذلك لأن الإنسان إذا علم أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، وأن أجله لا يزيد ولا ينقص، وأنه بيد الله عز وجل لا سبيل لمخلوق عليه، هان عليه قراع الحروب، والتقدم في ميدان المعركة، ومبارزة الموت موقنا أن اقتحامها طريق إلى النصر، وأن النصر كله بيده عز وجل وهو القائل: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} الأنفال 10، يهب نصره لمن يستحقه، هو العزيز الغالب في ملكه، الحكيم في عطائه ومنعه. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع ما تكتمون من قول ويعلم ما تسرون من نوايا وأعمال، وما تضمرون من إقبال على الجهاد صادقين أو خوف من الموت فُرَّارًا جزعين.