ثم أتبع عز وجل أمره بالقتال أمره الثاني بإنفاق الأموال لنفس الغاية والهدف فقال: {من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ} ، والقرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، ومنه تقارض الرجلان الثناء إذا أثنى كل واحد منهما على صاحبه، والله تعالى غني عن العالميين، وما هو إلا مَثَلٌ لتقديم العمل العاجل طلبًا للثواب الآجل، عبر عنه بالقرض تلطفا في استدعاء المؤمن إلى الإنفاق، والمراد به حسب سياق هذه الآيات الكريمة بذل المال جهادا في سبيل الله تعالى، {قَرْضًا حَسَنًا} أي مالا حلالا طيبا بإخلاص ورضا نفس، {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} فيضاعف أجره وجزاءه أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله تعالى، قال عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} البقرة 261. {وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أي يقتر الرزق على من يشاء من عباده، ويوسع على من يشاء، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فتحاسبون وتجزون بما كنتم تعملون.
وقد روي صحيحا أن هذه الآية لما نزلت (قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله عز وجل ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي عز وجل حائطي، قال ابن مسعود: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: أخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل) . وقال صلى الله عليه وسلم: (يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ أَوْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ثُمَّ يَقُولُ مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ) .
إن للجهاد في سبيل الله شقين متكاملين انتظمتهما هذه الآيات الكريمة، بذل النفس وبذل المال، لذلك وردا معا متلازمين في كثير من آيات القرآن الكريم، واعْتُبِرَ البخلُ بالإنفاق على الجهاد هلاكا للأمة، قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} البقرة 195، وقال: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} التوبة 41،وقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَن} التوبة 111، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الصف 10/ 11.
وبعد أن استدعى الوحي ذاكرة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه إلى الاعتبار بتجربة الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت على وَجَازَتِها، وبنى عليها الأمر بالجهاد والإنفاق في سبيل الله، التفت إلى التذكير بتجربة أخرى أكثر تفصيلا، هي تجربة بني إسرائيل من بعد موسى إذ ضعفوا بعد قوة، وذلوا بعد عز ورفعة، وانحرفوا عن تعاليم التوراة، فغلبهم أعداؤهم ونهبوا مقدساتهم، واستباحوا أعراضهم، فانتفضوا في صحوة ضمير وإيمان لاسترجاع الكرامة المداسة والعرض المهان والمقدسات المنتهبة والحرية المفتقدة، يذكر الوحي بهذه التجربة لما انبث في تفاصيلها من عبر وعظات