فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 523

وإشارات ومبادئ متعلقة بالتربية الجهادية والعقيدة القتالية اللازمة لبناء المجتمع الإسلامي الجديد، فيخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم وكل مؤمن إلى قيام الساعة بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} .

يبدأ الخطاب بسؤال تذكيريٍّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما علَّمَه ربه من أخبار هؤلاء القوم، وتشويقيٍّ لأتباعه رضي الله عنهم إلى معرفتها والاستفادة منها، فيقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ} والملأ هم نخبة القوم وسراتهم، أي: ألم تعلم خبر النخبة المتنفذة من بني إسرائيل {مِن بَعْدِ مُوسَى} بعد زمن موسى عليه السلام بزمن طويل هو الزمن الذي بعث فيه داوود عليه السلام، {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمْ} كان بين أظهرهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيمهم على منهج التوراة، ولم تذكر الآية اسم النبي ولم يرد به خبر صحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الهدف من التجربة مضمونها لا التأريخ لها، والمقصود من الآية الترغيب في الجهاد والتحذير من تركه. {ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} ، أقم لنا أميرا أو ملكا تنتظم به كلمتنا ويقودنا لقتال أعدائنا الذين أذلونا وتغلبوا علينا. وكان نظام أمر بني إسرائيل أن تسوس قادتهم وعامتهم الأنبياء، يرشدونهم ويقيمون أمرهم كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُر) .

والظاهر من لجوئهم إلى نبيهم أن وعظه لهم قد أحيى في قلوبهم ما خفت من إيمان وما وهن من قوة إرادة، فاسترجعوا وعيهم الغائب وتاقت أنفسهم إلى ما ضيعوه من عز وحرية وتراث نبوة، إلا أن هذا النبي لِمَا علمه من تردد اليهود وانتكساتهم العقدية عبر تاريخهم الطويل منذ عهد موسى عليه السلام، أراد أن يستوثق من صدق عزيمتهم على النهوض من كبوتهم ومقاتلة عدوهم، وأن يميز في موقفهم بين حماسة طارئة لا تفتأ أن تخبو، وبين عزم راسخ ثابت لا يزول، فخاطبهم باستفهام تحذيري عما يتوقع من تصرفاتهم وانهزاميتهم {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا} ، وفعل"عسى"من أفعال المقاربة فيه ترقب وإشفاق، قرأ نافع: عسِيتم بكسر السين في كل القرآن، وقرأ الباقون بفتحها، والمعنى: ألا يحتمل إن استجاب الله تعالى لرغبتكم وفرض عليكم القتال وبعث لكم أميرا يقودكم إليه ألا تَفُوا بشروطه، ولا تصبروا على لأوائه، وأن تفروا منه، ويكون التولي عنه أقرب إليكم من الزحف نحوه والصمود له. فما كان جوابهم إلا أن قالوا: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} وهو منهم استفهام يراد به إنكار أن يردهم عن القتال راد، أو يعترض سبيلهم إليه معترض من أنفسهم أو من غيرهم، لأن الداعي إليه شدة ما أصابهم من ذلة وصغار وطرد من الدار والأهل والولد {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا} ، ذلك أن بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام تخاذلوا وعصوا الأنبياء ودخلهم الفساد العقدي والسلوكي فسلط الله عليهم الكنعانيين هزموهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت