واستخلصوا منهم البلاد وسبوا الذرية وسلبوهم التابوت، وهو الصندوق الذي ترك فيه موسى تعاليمه وتعاليم هارون وآلهما العاملين بمنهجهما المتمسكين بسنتهما. وغير خفي من جوابهم أن داعيهم الأول للقتال ذاتي محض، هو الثأر لأنفسهم ممن أخرجهم من ديارهم وسبى ذريتهم، وليس في سبيل الله، من أجل أن يكون الدين كله له عز وجل، مما يكشف ما يعتور تصورهم الإيماني من خلل وغبش.
وباعتراض صارم وموجز عقب عز وجل على دعواهم الثبات في القتال والحرص على مواجهة العدو بقوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} طلبوا الإذن لهم بالقتال واستنكروا ما توقعه نبيهم منهم، فلما أمروا به فروا من ميدانه ونكصوا عنه كما هو شأن الجبناء في كل عصر، يطلبون الطعن والنزال خارج ميدانهما ويزايدون رياء وسمعة بدعوى الشجاعة والقتالية، فإذا جد الجد وقيل يا خيل الله اركبي رأيتهم حمرا مستنفرة فرت من قسورة، ولم يثبت للقتال ممن طلبه إلا قليل {إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ} هم الذين نصرهم الله تعالى على العدو، وفي هذه الآية مكمن العظة والاعتبار والتحذير للمسلمين من حال بني إسرائيل في خور نفوسهم ومجادلتهم بالباطل وتركهم الجهاد في سبيل الله، كما أن فيها تقريرا لحقيقة الكثرة الجوفاء المتخاذلة، والقلة المليئة بالإيمان والإخلاص والثقة بالله، ولذلك ختمها عز وجل بإثبات علمه بالنفوس والتصرفات، وتوعد من يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد بقوله تعالى: {وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} .
ثم يعود الوحي إلى متابعة تفصيل ما تحتاجه التربية الجهادية من هذه الحادثة بقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} أخبرهم النبي أن الله استجاب طلبهم واصطفى منهم طالوت ملكا يقودهم للقتال، وكان طالوت فيهم رجلا فقيرا ليس من بيت يتوارث السيادة والقيادة، لذلك سرعان ما تجلى الخلل في تصورهم العقدي مرة أخرى بفساد مقاييس أحكامهم فقالوا: {قَالُوَا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} .
إن قيادة الأمة في ميزان الإسلام لا تكون بالتوارث، ولا بالجاه أو المال، ولا بالتكالب على السلطة والتنافس والتحاسد من أجلها، ولكن بالتقوى والطاعة والامتثال لأمر الله، والكفاية والقدرة على القيام بها والصبر على تكاليفها، ولذلك ردهم نبيهم إلى ما غاب عنهم من حقائق الإيمان والتوحيد {قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} بين لهم أولا أن الله أمر له بالملك عليهم واصطفاه لهم قائدا، وأمْرُ الله لا يرد، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} القصص 68، وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الأحزاب 36، وزاد فبين فضل طالوت عليهم بما ميزه عز وجل بسطة قوة ووافر علم وحكمة