فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 523

وقدرة على قيادة القتال، وعاتب من يجادل في شأنٍ من أمْرِ الله هو أعلم به وبمن يصلح له {وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

وكأنما بقي في نفوسهم شيء من الريبة والشك فيما أمرهم به نبيهم، كما هي عادتهم مع جميع الأنبياء من عهد موسى عليه السلام، فأمدهم الله تعالى بالحجة القاطعة الملموسة على صدقه، ورد إليهم ما سلبوه من تراثهم الديني، إذ جاءتهم الملائكة بالتابوت المفتقد يطمئن قلوبهم ويملأها سكينة من ربهم {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ} وفي ذلك ما يكفي من دلائل الصدق وبواعث الثقة لمن كان مؤمنا حقا {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} .

لم يتحرر بنو إسرائيل مما ألفوه من سيئ عادات وعقيم جدال بالباطل، وسوء ظن وغبش إيمان، وعصيان رسل في أي عهد من عهودهم، وقد عرض عز وجل في هذه الحادثة على وجازتها عددا من انتكاساتهم العقدية، أولاها عندما ربطوا جهادهم بالأسباب الذاتية ولم يجعلوه في سبيل الله، وثانيتها باختلال مقاييس اختيارهم لقيادة الجهاد وتسيير شأنهم العام، وغفلتهم عن مقياس الاصطفاء الإلهي والتقوى والعلم والكفاية والقدرة، وثالثتها بنكوص كثير منهم عن القتال بعد أن فرض، والجهاد بعد أن أمر به. فلم يبق مع طالوت إلا قلة منهم، رضيته قائدا، فجَيَّشَهم ثقة منه في الله وخرج بهم إلى ملاقاة العدو.

فلما فصل بهم عن مساكنهم، ومعه نبيهم يأتمر بأمره ويسترشد بهديه، أراد مرة أخرى أن يستوثق من صلابتهم وقدرتهم على التحمل والانضباط والطاعة، وصمودهم في مواجهة خصاص الحاجات وصبرهم على افتقاد الضرورات، لا سيما وهم جيش أمة مُغلَّبة مقهورة ألفت الخنوع والذلة للكنعانيين الأقوياء الغالبين، قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ} مخبرا عما تلقاه من النبي الذي يرافقهم: {إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ} ممتحن إرادتكم ومختبر عزمكم على القتال بنهر في طريقكم وأنتم عطاش {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أي: ليس من جيشي ولا أهل رفقتي وطاعتي وولايتي، وليعد من حيث أتى، {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} ومن لم يشرب منه قط أو اكتفى بأخذ غرفة واحدة منه بيده فإنه من جيشي، يواصل معى مسيرة الجهاد في سبيل الله، إلا أن أكثرهم شربوا وارتووا، فكانت الانتكاسة الرابعة في هذه المسيرة {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ} ولم يبق مع طالوت إلا عدد قليل ورد ذكره في حديث صحيح أخرجه البخاري وأحمد والترمذي عن البراء قال:"كنا نتحدث أن أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا"

فلما جاوز طالوت النهر مع من بقي معه ورأوا جيش عدوهم رأي العين جفل بعضهم وذعروا من قوة جالوت وجنوده، {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} أي قالت طائفة منهم ممن يغلب على طبعه الجزع والخوف من الموت: لا قدرة لنا على مواجهة جيش جالوت وقوته، وقالت طائفة أخرى ممن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت