فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 523

كانوا أقوياء القلوب والإرادة والعزم على صدق القتال والتصميم على لقاء العدو: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ} الذين يظنون أي: الذين يوقنون بأنهم ملاقو الله تعالى يوم الدين ولا يبالون بالموت في طاعة الله تعالى، أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لتأكيد الاعتقاد، لما بين الظن واليقين من تقارب المعنى {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} . لقد اتضحت الرؤية الإيمانية لدى هذه الفئة فتخلت عن ميزان الأرض والطين كثرةً عددية وشاكيَ سلاح، وتبلورت في قلوب أهلها مقاييس إيمانية ترتفع بهم إلى مراقي المدد الإلهي الذي هو مصدر النصر والغلبة والتمكين والاصطفاء الرباني لأهل الريادة والقيادة والخلافة في الأرض، فمثلهم في موقفهم من جيش طالوت كمثل أهل بدر إذ قال لهم ربهم عزوجل: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} آل عمران 125/ 126.

وعندما التقى الجيشان تجلت المفاصلة العقدية في أشد صورها وضوحا، معسكر إيمان لا كفر فيه، ومعسكر كفر لا إيمان فيه، إيمان يقاتل كفرا، وصلاح يدفع فسادا، طائفة تستنصر ربها وتستمد منه العون والثبات، وأخرى كافرة مستعلية بقوتها المادية مغرورة بكثرتها مزهوة بما سلف من انتصاراتها، {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} استفتحوا جهادهم باللجوء إلى الله ضارعين إليه بثلاث دعوات هن أسباب النصر: أن يفرغ عليهم صبرا من عنده يتحملون به سعير الحرب وشدتها {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} ، وأن يثبت أقدامهم في مواجهة العدو فلا تَهِنُ ولا تولي {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} ، وأن ينصرهم على أعداء الله وأعدائهم، جالوت والكنعانيين الكفرة {وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} .

بهذه النخبة المؤمنة القوية التي استصفاها طالوت من بين ضعف عزيمة وخوف موت وحب دنيا، وبيقينها الراسخ أن النصر بيده تعالى وحده، وبدعواتها الطيبة التي جمعت بين التوسل بربوبيته تعالى والإقرار بالاضطرار إليه والحاجة إلى نصره وتأييده، خاض طالوت معركته.

وبثوابت العقيدة القتالية في الإسلام إيمانا وتوكلا واحتسابا واقتحاما للموت الذي لايقهره إلا الجراءة عليه، ومتحول الوسيلة إعدادا للرجال والمال والأدوات، وخطط الحرب وحسن اختيار وقتها وميدانها، انهزم قوم جالوت شر هزيمة على كثرتهم ووفرة سلاحهم {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ} .

لم تكن هزيمة المشركين بقوة المسلمين ولا بكثرة عددهم، وإنما كانت بإذن الله وأمره ليُعْلَم أن النصر منه تعالى وحده، وأن المؤمن مجرد غطاء لما يريده عز وجل ويقدره، ليس له من الأمر إلا أن يقوم بما فرض عليه، والله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد. وكان من عجائب هذا النصر المبين أنَّ قاتِلَ جالوت لم يكن طالوت ولا أحدَ جنوده الأشاوس، بل صبيا يرعى الغنم هو داوود عليه السلام، أرسله أبوه إلى جيش طالوت ليأتيه بأخبار أبناء له ثلاثة في الجيش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت