المؤمن، كما تقول معظم روايات التاريخ، قتله بحجر من مقلاعه، فكان قتل الطاغية المتجبر بأصغر القوم وأضعف السلاح، عبرة للجبناء المتخاذلين وقدوة للشجعان الموقنين {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} . ثم آل إليه الملك بعد طالوت واصطفاه عز وجل للنبوة، وعلمه الحكمة وأنزل عليه الزبور وجعله خليفة في الأرض، قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه} ص 26، وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} سبأ 10.
لم تذكر الآيات الكريمة كثيرا من تفاصيل هذه الواقعة كما هو الأسلوب القرآني في التعليم والتأهيل، ولم تتطرق السنة النبوية الصحيحة إليها، كيلا تنشغل القلوب والعقول بالروايات والأخبار عن العظة والاعتبار، فتتحول آيات الذكر الحكيم عن مسارها التربوي وهدفها العقدي في إعادة بناء النفوس والمجتمعات، وإخراج الأمة الشاهدة وإقامة أمر الله تعالى.
وتلافيا لأن تذهل العقول عن الحكمة من سوق ما تطرق إليه الوحي من خبر الذين فروا من الموت فأماتهم الله ثم أحياهم، وخبر بني إسرائيل وقد صَحَتْ أفئدتُهم للتحرر ودفع أهل البغي والشرك، يعقب عز وجل بتقرير قاعدة الاجتماع البشري في صراع الحق مع الباطل، والإيمان مع الكفر، بقوله: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} ، والدفع والدفاع سواء، كلاهما مصدر دَفَع، قرأ الجمهور:"دَفْع الله"، وقرأ نافع"دِفَاع الله"، أي لولا أن الله يدفع انحراف البعض باستقامة بعضٍ آخر صالحٍ لفسدت الأرض، وهو نظير قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} الحج 40.
إنه قانون التدافع، صراع الخير والشر، الصلاح والفساد، الحق والباطل، وضعه الله تعالى فضلا منه على الناس ورعاية لهم وتربية {وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} ، قانون التطهر الذاتي للمجتمع البشري، تتحصن به المبادئ والأخلاق، وتحفظ به الأعراض والذمم، يقاوم أهل الحق أهل الباطل، لا يلتقيان على حلول مداهنة يتنازل فيها الحق عن بعض حقه والباطل عن بعض باطله لتنشأ أوضاع وقيم هجينة ملفقة، وإنما تجمعهما فقط ساحة التدافع لقهر الفساد بكل ضروبه وأصنافه، في جميع مجالات الاجتماع والسياسة والاقتصاد والثقافة والعلم والتدبير العام، قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق} الأنبياء، وقال: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} سبأ 49.
إن قانون تدافع الخير والشر والفضيلة والرذيلة والصلاح والفساد، هو أخطر ضمان تسير به الحياة طيبة نظيفة آمنة، لأن مهادنة المفسدين لا تكف شرهم، بل تزيده طغيانا وتجبرا واستفحالا، ولطالما اكتفى قوم بصلاح أنفسهم وأسرهم وهادنوا الفساد وابتعدوا عنه، فهاجمهم في عقر ديارهم وأبنائهم وذرياتهم، وكما أن المؤمن يرى مكافحة