فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 523

طه 123، {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 38.

من ثَمَّ عُلِم أنه لابد من رسالة تكليف تأتي بني آدم من ربهم، ولا بد من مبلغ لهذه الرسالة، وأصبحت العبادة في الحياة الدنيا بذلك مبنية على ثلاثة أركان: وحي هو رسالة الإسلام عقيدة وشريعة، وملائكة كرام يحملون الوحي إلى الأنبياء المصطفين من البشر يتلقونه ويبلغونه، ومرسل إليهم من الجن والإنس.

لذلك نلحظ أن الوحي الحكيم بعد أن بين فيما سبق من آيات سورة البقرة شرائع الإسلام وقواعد الدين ومناهج بناء المجتمع والمحافظة عليه وحمايته والدفاع عنه، وتجارب أقوام سلفت وبقيت عبرة وعظة، التفت جمعا للعقول والأفئدة حول زبدة كل ذلك بإيجازه في أقانيمه الثلاثة، رسل ورسالة ومرسل إليهم، فلا تتيه العقول ولا تلتبس المفاهيم، ولا يضل إلا من اختار الضلال، ولا يشقى إلا من آثر الشقاء، وهو لعمري عين الحكمة من رب الحكمة وخالقها في التربية والتعليم، يبدأ بكليات الحقيقة المرسلة، ثم بتطبيقات جزئياتها وتفاصيلها، ثم يتبع ذلك بموجز لها يحفظ أركانها ويقيم بنيانها، ويبين طبيعة من يبلغها وعاقبة من كلف بها.

يبدأ الوحي في التفاتته هذه بمخاطبة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} . آياتُ اللّهِ هي حججه على خلقه، وأدلته على قدرته وحاكميته وواسع علمه وبديع صنعه، يبلغها الأمين جبريل عليه السلام قرآنا طريا نديا إليك يا محمد، يتلوها عليك ويبينها لك حقا وصدقا بأمر ربك {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} القيامة 16/ 19، فلا تبتئس بكيد أهل الكتاب والمشركين أو بمحاولاتهم التشكيك في رسالتك وإنكار نبوتك، وتخذيل أتباعك وفتنتهم، فإنك من جملة رسل الله الذين اصطفاهم لكرامته وطاعته ومرضاته {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، وهو رد حاسم على تكذيب الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا} الرعد 43.

وآيات الله تعالى أيضا هي الكون المنظور مع آيات الكتاب المسطور، جعله تعالى دليلا إلى التوحيد والإيمان ودعا إلى رؤيته بالبصيرة والبصر وتأمله بالقلب والفكر، فقال عز وجل بعد أن ذكَّر بنعمه على االمسلمين وهدايته لهم إلى الإيمان بعد الضلال والتقوى بعد التسيب والانحلال: {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} آل عمران 108، وقال بعد أن ذكَّر بالكتاب المسطور وكتاب الكون المنشور معا: {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} الجاثية 1/ 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت