الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وهي العقيدة والشريعة، {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا} اختلفت مواقفهم من الرسالة، {فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} ، ولو شاء الله تعالى لخلقهم على الإسلام ابتداء كما خلق الملائكة، فلم يختلفوا ولم يقتتلوا، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} يونس 99. ولكن شاء أن يختبرهم بالرسالة والرسل، فآمن منهم من آمن وكفر منهم من كفر، وما يريده تعالى في هذه الحالات أن تقوم الفئة المؤمنة برد عدوان الكفرة، وقمع المفسدين الفجرة، تلك سنته عز وجل لأهل الأرض، وقد قال: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} البقرة 251، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} التوبة 73، وقال: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الأحزاب 61/ 62.
إن من طبيعة الرسالات السماوية في كل عصر أن يتعرض مؤمنوها إلى العدوان والظلم وأن يشتط الكفار في محاربتهم، فيضطرون للدفاع عن عقيدتهم وأنفسهم، ومقاتلة عدوهم، والمسلمون المخاطبون بتجارب الأمم قبلهم في هذه الآية وغيرها من آي القرآن الكريم ليسوا بمنأى عن عدوان أعدائهم، فعليهم أن يلزموا جانب الحذر وأن يواصلوا الاستعداد للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وعقيدتهم، بإعداد أدوات القتال، وسد ثغرات الضعف في المجتمع المسلم، تكافلا وتعاونا وقياما بحاجات الفقراء والمحتاجين، لذلك ختم الوحي حديثه عن الصراع الحتمي المرتقب بين أهل الحق وأهل الباطل، بأمر حاسم بالإنفاق في سبيل الله، مقرون بتهديد واضح لمن يبخلون أو يأمرون الناس بالبخل قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم} دفاعا عن الإسلام وأهله، واعلموا أنكم ستحاسبون بأي تقصير أو بخل يوم القيامة حيث لن تنفعكم أموال كنزتموها أو تجارة اقترفتموها.
{مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ} يوم القيامة ليس فيه مفاداة لأنفسكم من العذاب بمال ولو جئتم بملء الأرض ذهبا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} الرعد 18.
{وَلاَ خُلَّةٌ} لا صداقة تنفعكم كما كان عهدكم في الدنيا مع بعضكم، قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} الزخرف 67.
{وَلاَ شَفَاعَةٌ} لا شفاعة للكافر مطلقا يومئذ، أما المسلمون فلا شفاعة لهم إلا بإذنه، تعالى {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} الأنبياء 28، والخاسر في ذلك اليوم من أتى الله كافرا ظالما عاصيا.
{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الكُفْرُ نقيض الإِيمان، والكُفْرُ جُحود النعمة ضِدُّ الشكر، والكفر تغطية الحق وستره، وقد ورد في هذه الآية لفظ {وَالْكَافِرُونَ} مطلقا غير مقيد فدل على أن كل هذه الضروب من الكفر ظلم، كما يعني أيضا أن البخل بالمال والامتناع عن إنفاقه ظلم، لوروده عقب الأمر بالإنفاق مباشرة.