إلا أن الوحي لحكمة منه تعالى نزل مصرحا بتفاضل الرسل فيما بينهم بقوله عز وجل عقب إشارته إليهم: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، وقال في الآية الخامسة والخمسين من سورة الإسراء: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} . ولئن كانت النبوة في نفسها خصلة واحدة لا تتفاضل، وكان الأنبياء إخوة أبناء علات، فإن التفاضل بينهم لابد أن يكون بخصائص زائدة على النبوة، صفات أو كثرة أتباع، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيا أَوْحَى الله إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعا يَوْمَ الْقِيَامَة ِ) ، وقال: (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي ومعه الثلاثة وأكثر من ذلك) ، وقال: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ) . لذلك أخذ الوحي في تفصيل بعض خصائص الأنبياء عقب تقريره التفاضل بينهم فقال: {مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ} مثل آدم] [1] [وإبراهيم وموسى عليهم السلام، {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} مثل محمد وإبراهيم وأولي العزم من الرسل، قال صلى الله عليه وسلم بعد أن أعلمه ربه تعالى بأنه أفضل الأنبياء: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون) وقال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة) ، وقال: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) .
{وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} أي: دلائل نبوته ومعجزاته، ومنها الإنجيل وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والمائدة من السماء وغير ذلك، {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} بجبريل عليه السلام يشد أزره ويسدده.
وكما هي مشيئة الله تعالى وحكمته في نظام الاجتماع البشري يتلقى الناس بينات العقيدة والشريعة من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فيؤمن بها البعض ويكفر بها آخرون، وتبغي الفئة الكافرة على المؤمنة تحاول استئصالها أو ردها عن دينها، فيكون الاقتتال بمقتضى سنة الله تعالى في صراع الحق مع الباطل، وقمع الشر بالخير، ودفع الفساد بالصلاح، وهو ما عقب به عز وجل عند ذكر الرسل وتفاضلهم فيما بينهم بالخصائص والأتباع فقال: وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ
(1) - عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال:"آدم"، قلت: يا رسول الله ونبي كان؟ قال:"نعم نبي مكلم"/ قال الألباني صحيح.