فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 523

جليل، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} الأنعام 91، وعندما قال سفيان بن عبد الله الثقفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال له صلى الله عليه وسلم: (قل آمنت بالله ثم استقم) .

لقد انتثرت القواعد الكلية للتصور الإيماني في سياقات كثيرة من القرآن الكريم مَكِّيِّهِ ومَدَنِيِّهِ، ولكنها اجتمعت بإيجاز واضح معجز في آية الكرسي، تضمنته عشر جمل فيها، كل واحدة منها قاعدة كلية لا غنى للتصور الإيماني السليم عنها، ولا يقوم لمنهج الإسلام أمر بدونها.

أول هذه القواعد قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، ولفظ {إِلَهَ} بمعنى مألوه يعني المعبود حبًا وتعظيمًا وطاعة وخوفا ورجاء، وهي صفة أسبغها الكفار من أهل الكتاب والمشركين على غير مستحقيها، أصناما وأوثانا وأشجارا وأحجارا وجنا وملائكة وأنبياء وحكاما. أما آية الكرسي فتنفيها عن غير الله تعالى، وتثبتها له وحده عز وجل، {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} وحدانيته سبحانه هي الركن الركين في منهج الإسلام كله، منهجه في الاعتقاد والاجتماع والسياسة والاقتصاد وهي قاعدة التوحيد لدى المؤمن في حياته كلها، في كل ضروب معيشته في الأرض ومآله في الآخرة، بها قامت الأرض والسماوات، ومنها تستمد النظم والتشريعات، وإليها تتجه الأعمال والطاعات، وبها تؤسس القيم وتوضع الموازين، وعلى أساسها تتميز النوايا والمشاعر والضمائر، كل ما سواه عز وجل من المعبودات والمرجوات باطل، وكل ادعاء لغيره بها زائف زائل، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل} الحج 62، وقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} الكهف 110، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 25.

وحدانية الله تعالى تنتظم جميع أسمائه الحسنى وصفاته العلى، إثباتا وتنزيها، إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، إثباتا لكل كمال مطلق، وتنزيها عن كل نقص أو عيب أو عاهة، ونفيا لكل ند أو كفء أو سمي أو شريك أو شبيه، أو ولد أو والد أو ولي من ذل وحاجة. هو الواحد عز وجل لا ثاني له، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخِرُ الذي ليس بعده شيء، والظاهرُ الذي ليس فوقه شيء، والباطنُ الذي ليس دونه شيء {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الحديد 3.

إن قوله تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أجمع ما في القرآن الكريم من الأسماء الحسنى والصفات العلى، به تعلقت كل دلائل التوحيد الحق، وبه اتضحت تصورات الإيمان السليم، وعلى أساسه تقبل العبادة، وبه يسأل المرء في قبره، ويجازى يوم العرض والحساب، لذلك كلما ذكرت هذه الآية في القرآن ذيلت بصفة من صفاته تعالى أو بتوجيه عقدي يناسبها، كما في هذه الآيات الكريمة وهي غيض من فيض: يقول تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت