أما قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} فتقرير لصنفين من العلم، مطلق علم الله تعالى، ومحدود علم غيره، علمه عز وجل يشمل حاضر الخلق وماضيهم ومستقبلهم، دنياهم وآخرتهم، ما كان وما يكون {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} سبأ 3، أما علم جميع المخلوقات جنا وإنسا وملائكة وغيرهم فمحدود مقيد بمشيئته تعالى، يكشفه لهم بقدر حاجتهم إليه في كل زمان ومكان، إن كان من أمر الدين فقد بلغه الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإن من أمر الدنيا فبما أودعه تعالى في العقول والإرادات من حب استكشاف واستقصاء، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} فصلت 53
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أما حقيقة الكرسي فقد احتفظ الله تعالى بها في ضمير الغيب، فلم يبين لنا من ذلك إلا ما نحن في حاجة إليه وهو قدرته على خلق ما هو أكبر من السماوات والأرض، والغاية أن تتضح معالم التصور العقدي لدى المؤمن. لقد خاطبه أولا فبين له قدرته على خلق الإنسان في أحسن تقويم بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} الانفطار 6/ 8، ثم بعد أن تدبر من تدبر وعجب من قدرة الله من عجب، انتقل بنا الوحي إلى قدرته تعالى على خلق ما هو أكثر تعقيدا وغموضا من خلق الأنفس، وهو خلق السماوات والأرض: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} غافر 57، أما في آية الكرسي فتظهر قدرته تعالى على خلق ما هو أعظم من ذلك بكثير، على خلق الكرسي الذي يسع الأرضين السبع وما فيهن، والسماوات السبع مهما اتسعت وامتدت وعظمت على مر العصور والدهور لقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} الذاريات 47، إن قدرته تعالى مطلقة لا يعجزها شيء {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} المائدة 17، {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يس 81/ 83
{وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} الفعل يؤوده معناه يثقله ويشق عليه، من آدَهُ الأمرُ أي أجهده، والهاء تعود على الله تعالى، أي أن تدبير السماوات والأرض لا يتعبه عز وجل ولا يشغله وهو القائل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الأحقاف 33.
{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} علوه تعالى لا في مكان، لأنه منزه عن التحيز، مطلق ليس كمثله شيء، خاص به متفرد به، وعظمته تعالى شاملة في ذاته وسلطانه، مطلقة في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، لا يقدر قدرها أحد مهما أجهد فكره وشحذ عقله {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الزمر 67.