وبعد أن بينت آية الكرسي دلائل وحدانية الله تعالى وعظمته وتنزيهه، وطبيعة الدين القيم الذي تقبل عليه القلوب والعقول راضية طائعة، دون جبر أو إكراه، توجت ذلك كله بقاعدة فذة لتنزيل العقيدة إلى أرض الناس على اختلاف مواقفهم سلبا وإيجابا بقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} .
والإكراه هو حمل الغير على قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو التهديد أو التعذيب، من الكره وهو المشقة التي تنال الإنسان من غيره فيما يحمل عليه قسرا، وهذه الآية حجة قاطعة على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه، مناسبة نزولها ما رواه سعيد بن جبير، قال: كانت المرأة تكون مِقْلاة لا يعيش لها ولد، فتجعل عليها إن عاش لها ولد لتُهَوِّدَنَّه، فلما أُجْلِيَتْ بنو النضير كان فيهم أبناء للأنصار، فأرادوا إكراه أبنائهم المتهودين على الإسلام وقالوا: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} .
إن أمر الإيمان كما في هذه الآية متعلق بالفهم والاستيعاب والاقتناع والاختيار الحر، وهذا يقتضي عددا من الأحكام الشرعية:
منها أنه لا اعتداد في الآخرة بما يفعله الإنسان في الدنيا من الطاعة كرها، لأن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا له وحده وابتغي به وجهه، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) .
وأن مبنى الدين الذي هو التصديق بالقلب والقول باللسان والعمل بالأركان على الاختيار الحر الذي هو أساس العمل في الدنيا ومناط الثواب والعقاب.
وأن بطلان الإكراه على الدين خاص بالدخول فيه ابتداء، أما الخروج منه بعد الدخول فيه، فله أحكام أخرى، متعلقة بضرورة التمييز بين من خرج منه لغبش اعترى تصوره الإيماني، ومن خرج منه لدنيا يصيبها أو فقر يجد عند الكفار من يدفعه عنه، ومن خرج منه تآمرا وكيدا ونكاية بالمسلمين ومكرا بهم. ولكل حالة من هذه الحالات بعد تمييزها أحكامها في فقه الفروع.
وأن لا اعتبار لمن أكره بأشد أنواع الإكراه على الخروج من الدين بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النحل 106.
والمبنى في هذا كله على أن تُبَيَّنَ حقائقُ الإيمان ومناهجُ الدين لمن يعرض عليه الإسلام، لقوله تعالى عقب ذلك: {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} والرشد مصدر رشد يرشد أي اهتدى إلى الحق والرشاد، أما الغي فضد الرشد، مصدر من غوى بفتح عين الكلمة وكسرها، غيا وغواية، أي ضل في معتقد أو رأي أو عمل، أي قد استبانت بآية الكرسي ورسالة الإسلام طريق الهداية من طريق الضلالة، والواجب على المسلمين بمقتضى الآية أن يبينوا للناس الحق من الباطل ويتركوا لهم حرية الاختيار. فإن فعلوا برئت ذمتهم بين يدي الله تعالى. وإن اهتدى من عرض عليه الإسلام