وعندما يَلِجُّ المرء في حمأة الأرض والطين، ثم في لمحة بصر يناله قبس في ظلمات ليله البهيم، يشرق به قلبه وتنقدح به في كيانه مصابيح الهدى، فينكره الحبيب المحجوب والعدو المنكوب، ويعاديه القريب والقصي، ماذا رأى وكيف رأى؟
إن لله عبادا لهم فطرة تنجذب للنور وتنبعث به وتنجذب إليه مهما ابتعدت عنه، للنور إليهم شوق ولهم إليه اشتياق، بأي تماس بين الطرفين مهما ضعف كان الانجذاب أقوى وأثبت، إنه استلاب الفراشة في نور الشمس نحو الزهرة، وشوق النحلة إلى الرحيق في ضوء النهار، وارتفاع الحجب عن عين الشهيد وهو يرى وعد ربه، وزوال الغشاوة عن ناظر من أدركته رحمة الله المهداة فتاب وأناب وأحسن المثوبة والإياب.
إنه نور الله تعالى يخص به من اصطفاهم لولايته، واختارهم لجنته، لا يُسأل عما يفعل، ولا يُرَدُّ ما قدر، قال تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} النساء 78، وقال صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه صحيحا: (إن الله عز وجل خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر)
على مواقع القدر يعمل المؤمن، ولِعفو الكريم رجاءً وثقة يسعى، فإن رضي الله سعيَه وبارك جهده، أسكن الطمأنينة قلبه، وسكب اليقين في فؤاده، وأنار دربه و اختاره لولايته ومحبته {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} .
إن للولاية لشأنا خطيرا في حياة المرء، خطورتها من معناها الذي هو المحبة والنصرة والرعاية، مجرد خطوات من المرء وقد سمع آيات ربه وتدبر آلاءه، وانجذب إليه، يتلوها سكب النور في القلب، والاختيار للولاية والهداية من الرب، قال تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) .
أرأيت إن استنصر القوم بضعيف يزيدهم ضعفا، أو بجائع يأكل خبزهم، أو بلص يسرق مالهم، أو بخائن يغدر بهم، أو بصاحب سلطان يمزق دينهم ليرقع به سلطانه؟ فأطبق عليهم ظلام الجهل وحجب عنهم نور المعرفة، ماذا تكون النتيجة وما المآل، ومَنْ غيرُ الله يستنقذهم من وهدتهم، ويوقظهم من غفلتهم؟، {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ} القصص 71
أرأيت إن استنصر امرؤ بصاحب الأمر والشأن بديع السموات والأرض، مالك الدنيا والآخرة وملكها، العليم الخبير {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} المائدة 120، من يستطيع أن يؤذيه والله يحميه؟ ومن يستطيع إضلاله والله يهديه، ومن يستطيع إفقاره والله يغنيه؟ قال صلى الله عليه وسلم: (يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله