تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف).
إنها ولاية الله تعالى لعباده المؤمنين، حصنهم الحصين وركنهم الركين، {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} فمن هم هؤلاء السعداء الذين فازوا من الله بالولاء؟
يعرف رب العزة بهم، وينوه من فوق سبع سماوات بقدرهم وما أعد لهم ويقول: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ} يونس 62/ 64. ويعرف بهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الشهداء والنبيون يوم القيامة لقربهم من الله تعالى ومجلسهم منه) ، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله صفهم لنا وجَلِّهِمْ لنا؟ قال: (قوم من أفناء الناس من نُزَّاع] [1] [القبائل تصادقوا في الله وتحابوا فيه، يضع الله عز وجل لهم يوم القيامة منابر من نور، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله عز وجل الذين {لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ) . إن لهم صفتين، تشملان دخيلة أنفسهم ونواياهم وظاهر أعمالهم وتصرفاتهم، الإيمان والتقوى، صفاء الاعتقاد وصواب العمل، صنوان يأبى الله تعالى أن يقبل أحدهما بدون صنوه {الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .
أما الإيمان فأن يؤمن المرء بكل ما جاء به نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، قرآنا وسنة، به يخرج من ظلمات الجهل والعماية إلى نور المعرفة والدراية والهداية، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} إبراهيم 1، وقال: {رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور} الطلاق 11. وقال صلى الله عليه وسلم عندما سئل ما الإيمان: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) .
الإِيمان قولٌ وعمل، بالقلبِ واللسانِ اعتقادا وإقرارا ونية وتسليما وإخلاصا وحبا واختيارا وطاعة، وبالجوارح قياما بما أمر الله تعالى واجتنابا لما نهى عنه وبعدا عن كل ما لا يرضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإِيمانُ بِضْع وسَبْعونَ شُعْبَة، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَدْناهَا إمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شعبة مِنَ الإِيمان) ، قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: (الإِيمانُ قولٌ وعمل، يزيدُ وينقص، يزيدُ بالطاعة وينقص بالمعصية) ، ثم تلا: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا} المدثر 31.
(1) - النُّزَّاع من القبائل جمع نازع، وهو الغريب الذي نزع عن أهله أي بعد وغاب، وفي الحديث الصحيح: قال صلى الله عليه وسلم: (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل)