أما التقوى فأن يخشى المرء الله تعالى، ويخاف عاقبة عصيانه، ويحاذر كل ما لا يرضاه من قول أو عمل أو سوء قصد، يتقي المعاصي فيبتعد عنها ويجتنبها، ويجعل بينها وبينه بولائه لله حاجزا يحميه من الوقوع فيها. ومن استجمع شرطي الإيمان والتقوى كان من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} الزمر 73.
بهذين الشرطين وحدهما تكون ولاية الله للمؤمنين، وتشمل من استجمعهما من جميع فئات الأمة، نساء ورجالا، عمالا وصناعا وتجارا وحرفيين وعلماء وحكاما، يخرجهم ربهم تعالى في كل أمر من الضلالة إلى الهدى، وفي كل حال من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} ، ويؤويهم في الجنة إنْ آبوا إليه ورجعوا {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} محمد 6.
أما غيرهم ممن جحد الإيمان واقتحم الكفر بقلبه أو لسانه أو عمله فله شأن آخر غير شأن أولياء الله المؤمنين الأتقياء، قال عز وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} ، والطاغوت في سياق هذه الآية هو الشيطان وأولياؤه من الجن والإنس والأصنام والأوثان والأوهام والطواطم والحكام، وكل من جُعِل ندا لله أو شريكا. فهل لمن والى المهزومين من نصر؟، وهل لمن استعان بالعاجزين من قوة؟، وهل لمن انحاز لأعداء الله من نصيب في رضاه؟، إنه ليس لهم من هذا الولاء الذي اختاروه وارتضوه إلا الخسران، وأول الخسران وأخطره أن يخرجوا عن نور الفطرة التي خلقوا عليها، وأن تنصرف أفئدتهم وعقولهم وأبصارهم عن نور آيات الله في كتابه المسطور، وكونه المنظور، إلى ظلمات الضلالة وعتمات الغواية، {يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} ومآلهم يوم الدين خلود في النار قال تعالى: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وقال: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} الزمر 71.
إن الإيمان والتقوى إذا بلغا في قلب المرء مبلغ اليقين، استشعر عظمة الله تعالى وقوته، وارتفع بما لديه من ثقة بربه، عن سفساف الحياة، واهتمامات الوهاد والقيعان، واستعلى على جميع طواغيت العصر والمصر، واستصغر ما يدعيه الظالمون لأنفسهم من القوة والعظمة والسيادة، لأن قوتهم موصولة بالوهن والهزيمة وسيادتهم معلقة بالوهم والفناء، أما قوته مهما ضعفت فموصولة بقوة ربه المطلقة التي لا تقهر، وسيادته منبثقة من عزة الإيمان ورؤية الإحسان وقربه من الرحمن.
هذه القوة الربانية والسيادة الإيمانية هي طاقة المواجهة والتحدي في موقف إبراهيم عليه السلام، وهو يواجه الطاغوت العاجز عن إحراقه، الفاشل في مجابهته بالرأي والحجة والمنطق، المنهزم في الدفاع عن باطله وادعائه الألوهية، قال تعالى