مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، في عَرْض لَمَّاح لصورة حية متحركة تكاد تتشخص ملء السمع والبصر: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ} .
لقد أوتي إبراهيم قوة فكر وتدبر اهتدى بها إلى ربه تعالى، فزاده ربه هداية وفضلا، واختاره لمرتبة الخلة والولاية، وأوتي استعلاء إيمان خالف به أباه وقومه وواجههم بحقيقة ضلالهم، وشجاعة في مواجهة الباطل تحدى بها الطواغيت وكسر بها الأصنام، كما أوتي ثباتا في الدين وصبرا على البلاء في سبيله إذ أمر به إلى النار فكانت بردا وسلاما، وأوتي صلابة عزيمة وقوة حجة في دعوته إلى جوهر الإسلام، ألوهية وربوبية أفحم بهما أعتى ملوك عصره، من الذين أطغاهم الملك فتجبروا وتكبروا وظنوا أنهم قادرون.
لم يذكر القرآن الكريم اسم هذا الملك، ولم يرد في الخبر الصحيح شيء عن اسمه أو بلده، وإن كان الأخباريون يزعمون أنه نمرود ملك بابل وطاغيتها، وإنما عرض علينا ما ينفعنا من الحادثة وما به نتعظ ونستفيد ونتأسى، وهو مجادلة الملك لإبراهيم عليه السلام في العقيدة والوحدانية، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ} والخطاب الاستفهامي للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين على توالي العصور، يلفت نظرهم إلى موقف متجبر طاغية، {إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ} أي: إلى الذي ادعى الربوبية منكرا أن يكون ثمة إله غيره، وجادل إبراهيم بالباطل في وجود الله تعالى، والمحاجة معناها المخاصمة والمغالبة، تستعمل كثيرا في المجادلة بالباطل، من ذلك قوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} الأنعام 80.
{أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ} وما جرأه على ادعاء الربوبية وإنكار وجود الله تعالى إلا أن أعطي ملكا بطر به فطغى وتجبر وظن أن لن يقدر عليه أحد، وكأنه رام أن يعجز إبراهيم فسأله عن حجة تثبت وجود الله تعالى، فأورد له إبراهيم دليل خلقه عز وجل للموت والحياة واستحقاقه العبادة وحده لا شريك له {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} ، وهو نفس معنى قوله تعالى في سورة أخرى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} الملك 2، إلا أن الملك انصرف عن حقيقة معنى الموت في الدليل الذي أورده إبراهيم، إلى مادية وقوع الموت في ظل طغيان التجبر وغرور القدرة الوهمية، ليشاغب بالباطل على ما قصده إبراهيم من حجته: {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} أي: أنا أستطيع أن أعفو عن من حكمت بقتله فأحييه ولا أقتله، وأستطيع أن أقتله فأميته، ومعلوم أن ادعاءه القدرة على القتل ليس بالجواب المنطقي على حجة إبراهيم الواضحة البينة، لأن الله تعالى خلق الموت والحياة وجعل لهما أسبابهما، والمقتول ميت بأجله المقدر له، بسبب في حكمة الله سره، هذا يموت بالمرض وآخر بالقتل وثالث بسقوط من شاهق، وإنما انصرف الطاغية عن حقيقة الموت والحياة في تقرير إبراهيم إلى المجادلة بأسباب الموت الظاهرة، وشتان بين الأمرين، لذلك أعرض إبراهيم عما قال، لِمَا علم من مكابرته ومرائه، وألجأه إلى مجال لا يستطيع انتحاله، أسلوبُ التلاعب بالألفاظ فيه متعذر، والمجادلةُ فيه بالباطل لا تتسع، قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ